Site icon Lebanese Forces Official Website

الولايات المتحدة – إيران: الحرب الباردة في المنطقة!

صحيفة النهار – علي حمادة

 

من الصعب بمكان الزعم بأن “مذكرة التفاهم ” في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال قائمة؛ لقد تجاوزتها التطورات التي حصلت منذ شهر حزيران/يونيو الفائت، وانتقلت إيران من حالة الدفاع عن تموضعها العسكري والجيوسياسي إلى حالة الدفاع بالهجوم على مختلف جبهات الإقليم.

 

ويبدو المشهد أقرب إلى “حرب باردة” تتلاحق خلالها مراحل التصعيد والتهدئة. ففي الخليج عودة إلى التصعيد مع عودة التحرش بالإمارات تارة من خلال مسيّرات انقضاضية، وطوراً من خلال إطلاق صواريخ باليستية كما حصل قبل أيام، ولا ننسى استهدافات السفن التابعة للإمارات إما بإطلاقات أو باختطاف كما حصل قبل يومين. وربما هذا ما حدا بالإمارات إلى وقف التعاملات المالية والتجارية مع إيران حتى إشعار آخر، ما سينعكس سلباً على الوضع المالي والاقتصادي الإيراني المزري أصلاً.

 

ومع عودة التهديدات الموجهة إلى الإمارات، استهداف كل من الكويت والبحرين لم يتوقف خلال الفترة التي أعقبت “مذكرة التفاهم”. أما السعودية فقد تعرضت هي الأخرى لتحرشات إيرانية انطلاقاً من اليمن (الحوثي) ومن العراق (الميليشيات). وتمثلت تارة باستهداف سفن في البحر الأحمر، وطوراً منشآت بترولية. وتمددت الاستهدافات نحو الأردن بصواريخ باليستية ومسيّرات، وأيضاً نحو مصر حيث كان الهدف سفينة أميركية مرتبطة بقطاع الطاقة.

 

في لبنان لم يرتق التصعيد الإيراني إلى حد رفع مستوى المواجهة مع إسرائيل نظراً لاختلال موازين القوة بين الأخيرة والذراع الإيرانية المحلية أي “حزب الله”. فطهران تمسك بقرار الحزب المذكور وبالتنظيم العسكري مباشرة وعبر ضباط من “الحرس الثوري” مقيمين في لبنان ويتحركون بين جبهة الجنوب والضاحية الجنوبية لمدينة بيروت (معقل “حزب الله”) ومنطقة سهل البقاع المحاذية للحدود مع سوريا. هنا لا تصعيد مشابهاً للتصعيد في الخليج، لكن التصعيد سياسي ضد الدولة اللبنانية، ولفظي تقريباً ضد إسرائيل؛ حيث إن الأهم الآن بالنسبة إلى طهران هو المحافظة على سلاح “حزب الله”، وعرقلة قرارات الشرعية اللبنانية التي اتخذت عبر الحكومة كقرار “حصر السلاح” بيدها (5 و 7 آب/أغسطس 2025)، وقرار “حظر أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية” (2 آذار/مارس 2026). وفي الأثناء فإن إيران مهتمة أكثر بالمضي قدماً في إعادة تنظيم القطاع العسكري- الأمني في الحزب المذكور بعدما تعرض لضربات قاصمة في العامين الماضيين.

 

وتشير المعلومات إلى أن طهران مصممة على اعتراض أي توجه للحزب لتقديم تنازلات للدولة اللبنانية في ما يتعلق بالانسحاب من مواقع، أو تسليم بنى تحتية عسكرية للجيش اللبناني. ولعل المثال الصارخ على رجحان كفة سياسة التشدد في الحزب وفي لبنان عموماً يتمثل في قضية منشأة “تلة علي الطاهر” التي تصر إسرائيل على تعطيلها وتفكيكها إما بالقوة باجتياحها، أو بالديبلوماسية عبر إقناع “حزب الله” بتسليمها للجيش اللبناني تجنباً لمعركة كبيرة سيخسرها الحزب حتماً بما سيرفع من كلفة الضغط العسكري على عناصره المنتشرين في الجنوب بمواجهة إسرائيل. والحزب يعرف أنه إن سلم المنشأة للدولة فستتعزز فكرة “حصر السلاح” أي نزعه، وإذا خسرها في مواجهة فستضاف الهزيمة إلى سلسلة هزائم مني بها في الأعوام الثلاثة الماضية.

 

بناء على ما تقدم فإن إيران الرافضة لفتح مضيق هرمز، تجد نفسها في مأزق بسبب القرار بالتصعيد على كل الساحات بمواجهة الولايات المتحدة، إذ بدأ الرئيس دونالد ترامب بالتركيز على مسار الحملات الانتخابية حتى موعد الانتخابات النصفية في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وهذا الواقع من شأنه أن يشكل عامل ضغط كبيراً على المستويات المالية والاقتصادية في الداخل على اعتبار أن ترامب مهتم بمنع ارتفاع أسعار الطاقة ومستويات التضخم التي ستحكم توجهات جزء من المقترعين الأميركيين في صناديق الاقتراع.

 

لكن لا بد لنا من التوقف قليلاً عند استراتجية الرئيس الأميركي في المواجهة. ثمة انتقادات توجه للرئيس ترامب متعلقة بما يطلق عليها “الفوضى التفاوضية” مع إيران، وبالتقلبات الحادة في مواقفه وقراراته. ووفق الانتقادات عينها فإن هذا الواقع منح النظام الإيراني مساحة واسعة لالتقاط أنفاسه بعد الضربات القاصمة التي تلقاها في حرب شباط/فبراير 2026. هذا علماً أن هدف الحرب ضد إيران كان إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي ومختلف برامج التسليح المتقدمة مثل برنامجي الصواريخ الباليستية والمسيّرات. فهل ستنجح إيران في حرب المناورات بتقويض حظوظ الحزب الجمهوري في الصمود في الانتخابات النصفية؟

 

في مطلق الأحوال لم تتغير قراءتنا لخريطة المنطقة: فهي لن تتجه نحو آفاق تنموية واعدة وراسخة بازدهارها مع النظام الإيراني الحالي!

Exit mobile version