
في مرحلة مفصلية يتنازع فيها لبنان خياران لا يلتقيان: أحدهما “مسخ” يريد إبقاءه أسير السلاح والأنفاق، والآخر وطني يسعى إلى إعادته إلى كنف الدولة والاستقرار، اختارت الشرعية أن ترفع سقف حضورها الخارجي والداخلي. من روما إلى صور، تكامل المشهد أمس: رئيس الجمهورية جوزيف عون يُحصّن مطالب لبنان وحقوقه على المستوى الدولي، ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب وزير الدفاع ميشال منسّى، يؤكدان من الجنوب أن زمن الساحات السائبة يجب أن ينتهي.
وفي قراءة لهذا الحراك الرئاسي، أشار مصدر رسمي لـ”نداء الوطن” إلى أن الوضع اللبناني خطير، وأن الرئيس عون يحاول فعل المستحيل لإنقاذه، ولذلك يتواصل مع أعلى المرجعيات الدولية، وفي مقدمها الولايات المتحدة والفاتيكان، إدراكًا منه أن الذهاب إلى حرب جديدة سيكون باهظ الثمن، ولن يكون لبنان قادرًا على تحمّل أكلافها. في المقابل، لفت المصدر إلى أن “الحزب” يعمل على ضرب مسار رئيس الجمهورية، لافتًا إلى أن قضية تلة علي الطاهر تشكّل أبرز دليل على ذلك، إذ يرفض “الحزب” تسليمها إلى الجيش اللبناني، ويفضّل أن تسقط في يد الإسرائيلي بدل أن تنتقل إلى سلطة الدولة. وأوضح المصدر أنه، على الرغم من نجاح زيارة عون إلى الفاتيكان وروما والتفهّم الأميركي للوضع اللبناني، فإن ذلك لا يعني أن طريق الحل بات سالكًا، في ظل تمسّك إيران بالاحتفاظ بالورقة اللبنانية. لذلك، لا تزال الصورة غير واضحة، فيما لم تنضج شروط الحل بعد.
واشنطن ترفض التمديد
وفي موازاة الحراك الدبلوماسي، تحتل الترتيبات الأمنية في الجنوب، ولا سيما مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، حيّزًا أساسيًا من جهود الدولة. وفي هذا الإطار، قال متحدث باسم وزارة الخارجية لـ”نداء الوطن” إن “واشنطن لا تؤيد تمديد ولاية اليونيفيل التي فشلت في مهمتها”، مشيرًا إلى أن “الحزب بنى بنية تحتية عسكرية ضخمة في المحيط المباشر لمواقعها، مستغلا في بعض الأحيان وجود قواتها على مقربة منه لحماية منشآته وعملياته”.
وفي موازاة تثبيت حضور الدولة سياسيًا وميدانيًا، يتصاعد الضغط الأميركي على البنية المالية والسياسية لـ”الحزب”. فقد أشارت مصادر أميركية لـ”نداء الوطن” إلى أن العقوبات التي طالت أفرادًا متهمين بنقل مئات الملايين من الدولارات بين إيران و”الحزب” عبر لبنان وتركيا والإمارات، تهدف إلى قطع شبكات التمويل الإيرانية، في إطار حملة أوسع لإضعاف وكلاء طهران ودعم حصرية السيطرة السياسية والأمنية للدولة اللبنانية. وترى المصادر أن الخطوة تحمل رسالة إلى السلطة اللبنانية، مفادها أن التعامل مع “الحزب” باعتباره جزءًا من النسيج الوطني أو “حركة مقاومة” لم يعد مقبولًا لدى واشنطن، وأن استمرار ترسانة “الحزب” المسلحة وتمويله المستقل وارتباطاته الخارجية باتت ملفات يتعيّن على الدولة معالجتها.
