
قد تفتح هاتفك للرد على رسالة أو إجراء مكالمة سريعة، ثم تجد نفسك بعد دقائق تنتقل بين تطبيقات التواصل الاجتماعي وتشاهد مقطعاً تلو الآخر، قبل أن تكتشف في نهاية اليوم أنك أمضيت ساعات طويلة أمام الشاشة. ومع تحول الهاتف إلى جزء أساسي من العمل والتواصل والترفيه، يبرز سؤال متكرر: كم ساعة من استخدام الهاتف تعد طبيعية، ومتى يتحول الأمر إلى استخدام مفرط؟
الإجابة ليست مرتبطة برقم ثابت. فلا توجد توصية صحية رسمية موحدة تحدد الحد الأقصى اليومي لاستخدام الشاشات لدى جميع البالغين، بخلاف الإرشادات الأكثر وضوحاً المتعلقة بالأطفال. كما أن عدد الساعات وحده لا يقدم صورة كاملة عن طبيعة الاستخدام وتأثيره في حياة الشخص.
فست ساعات يقضيها شخص أمام شاشة لإنجاز عمله أو الدراسة ليست بالضرورة مساوية لست ساعات من التصفح العشوائي لمواقع التواصل ومشاهدة مقاطع الفيديو. ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط «كم ساعة أستخدم هاتفي؟»، بل أيضاً «كيف أقضي هذه الساعات، وماذا يأخذ الهاتف من وقتي؟».
تشير تقارير صحية إلى أن البالغين يقضون في المتوسط أكثر من ست ساعات يومياً أمام الشاشات، مع اختلاف كبير بين الأشخاص في طبيعة الاستخدام. وقد يرتفع هذا الرقم عند احتساب ساعات العمل أمام الحاسوب، ومشاهدة التلفزيون، واستخدام الهاتف والأجهزة اللوحية.
لكن وجود الشخص أمام الشاشة لعدد كبير من الساعات لا يعني تلقائياً أن استخدامه غير صحي. فطبيعة النشاط والسياق الذي يتم فيه الاستخدام عنصران أساسيان في تحديد ما إذا كان الأمر يمثل مشكلة.
فإجراء مكالمة ضرورية، والرد على رسائل العمل، واستخدام تطبيق الخرائط، وقراءة كتاب إلكتروني، ومشاهدة فيلم، وتصفح مواقع التواصل لساعات متواصلة، كلها أنشطة تستخدم الشاشة، لكنها تختلف كثيراً من حيث تأثيرها في نمط حياة الشخص.
من المفيد أن يبدأ الشخص بمعرفة الوقت الذي يقضيه فعلياً على الهاتف بدلاً من الاعتماد على تقديره الشخصي. فكثيرون يعتقدون أنهم يستخدمون الهاتف لمدة ساعة أو ساعتين، قبل أن يكتشفوا من خلال إعدادات الجهاز أنهم يقضون وقتاً أطول بكثير.
ويمكن الوصول إلى تقرير «مدة استخدام الجهاز» أو «وقت الشاشة» في معظم الهواتف، حيث يظهر إجمالي الاستخدام اليومي والأسبوعي، إضافة إلى التطبيقات التي تستحوذ على أكبر قدر من الوقت.
ولا يكفي النظر إلى الرقم الإجمالي، بل من المهم معرفة التطبيقات التي تستهلك هذا الوقت. فإذا اكتشف الشخص مثلاً أنه يقضي ساعات يومياً على تطبيق واحد من دون هدف واضح، فقد تكون هذه المعلومة أكثر أهمية من مقارنة إجمالي استخدامه بأي رقم قياسي.
لا يحتاج الشخص إلى تجاوز عدد محدد من الساعات حتى يعتبر استخدامه مفرطاً. فالمؤشر الأهم هو تأثير الهاتف في الحياة اليومية.
إذا كان استخدام الهاتف يؤدي إلى تأخير النوم، أو تقليل النشاط البدني، أو التأثير في العمل والدراسة، أو إضعاف التركيز، أو تقليص التواصل المباشر مع العائلة والأصدقاء، فقد يكون الوقت الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة أكبر مما يناسبه.
ومن العلامات الأخرى أن يحاول الشخص تقليل استخدام هاتفه بشكل متكرر، لكنه يعود إلى العادات نفسها، أو يشعر بأنه مضطر إلى تفقد الهاتف باستمرار حتى في المواقف التي لا تحتاج إلى ذلك.
كما أن فتح الهاتف من دون سبب واضح قد يكون مؤشراً مهماً. فقد يمسك الشخص هاتفه للرد على رسالة محددة، ثم يجد نفسه بعد نصف ساعة يتنقل بين التطبيقات ومقاطع الفيديو من دون أن يتذكر سبب فتح الهاتف أساساً.
الاستخدام قبل النوم
ويعد توقيت استخدام الهاتف عاملاً مهماً أيضاً، وليس إجمالي الساعات فقط. فقد يكون استخدام الهاتف خلال ساعات النهار أقل تأثيراً من استخدامه لفترات طويلة قبل النوم.
ويستطيع المحتوى المثير أو المتجدد باستمرار أن يبقي الدماغ في حالة يقظة، كما أن استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم قد يجعل الاسترخاء أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص.
ولهذا، من المفيد تخصيص فترة هادئة قبل النوم بعيداً عن الهاتف، وإيقاف الإشعارات التي تدفع إلى تفقد الجهاز بشكل متكرر، بل وإبعاده عن السرير إذا كان الشخص يجد صعوبة في مقاومة الرغبة في استخدامه.
خمس علامات تستحق الانتباه
هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن أن تساعد الشخص على تقييم علاقته بالهاتف:
أولاً: الهاتف يؤخر نومك. إذا كنت تؤجل النوم باستمرار لمشاهدة مقطع آخر أو تصفح تطبيقات التواصل، فقد يكون الاستخدام خرج عن السيطرة.
ثانياً: أصبحت أقل حركة. إذا أخذ الهاتف وقتاً كان مخصصاً للمشي أو الرياضة أو النشاط اليومي، فمن المفيد إعادة النظر في عادات الاستخدام.
ثالثاً: تراجع تركيزك. كثرة التنبيهات والانتقال المستمر بين التطبيقات يمكن أن يجعل التركيز في مهمة واحدة أكثر صعوبة.
رابعاً: تستخدم الهاتف بلا هدف. فتح الجهاز بشكل تلقائي والانتقال بين التطبيقات من دون غرض محدد من أكثر العادات التي تستحق المراجعة.
خامساً: تفشل باستمرار في تقليل الاستخدام. إذا وضعت لنفسك حدوداً زمنية مراراً وتجاوزتها، أو شعرت بالانزعاج عند الابتعاد عن الهاتف، فقد يكون من المفيد التعامل مع الأمر بجدية أكبر.
وفي النهاية، لا يبدو أن هناك رقماً سحرياً يمكن تطبيقه على جميع البالغين. والأهم هو أن يبقى استخدام الهاتف تحت السيطرة، وألا يأتي على حساب النوم والحركة والعمل والعلاقات الاجتماعية والراحة. فالمشكلة ليست دائماً في عدد الساعات التي تقضيها أمام الشاشة، وإنما في ما إذا كان الهاتف يسيطر على وقتك أم أنك أنت من يتحكم في استخدامه.