Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ من “دولة الأداة” إلى الدولة الفعلية (أمين القصيفي)

الدولة

المشكلة في لبنان اليوم ليست أن الدولة لا تعرف ما الذي يفترض أن تفعله، بل أنها لم تبلغ بعد المرحلة التي تصبح فيها قادرة على تنفيذ ما تقرره من دون أن تصطدم بكل أثقال المرحلة السابقة. وهذه الفجوة بين وضوح الموقف السياسي وضعف القدرة التنفيذية هي التي تفسر جانباً كبيراً من الإحباط المتصاعد لدى الرأي العام اللبناني بغالبيته الساحقة الذي علّق آمالاً كثيرة على “الدولة الجديدة” المفترضة في لبنان، والذي يريد أن يرى نتائج ملموسة بعد عقود طويلة عاش خلالها لبنان في ظل معادلة جعلت الدولة نفسها الطرف الأضعف في مواجهة مشروع السلاح والنفوذ المرتبط بإيران.

من الطبيعي أن يشعر اللبنانيون بالغضب والسخط، وحتى الإحباط، عندما يرون قراراً يتأخر أو خطوة تتعثر أو استحقاقاً سيادياً لا يجد طريقه سريعاً إلى التنفيذ. لكن التعامل مع المشهد على أساس أن كل ما تغيّر قد حُسم، وأن الدولة باتت تمتلك تلقائياً القدرة على إزالة كل ما تراكم خلال عقود، يقود إلى نتيجة عكسية. فالمعادلات السياسية لا تتبدل بمجرد تبدل الاتجاه، ولا تسقط منظومة نفوذ كاملة ـ بُنيت بالترهيب والترغيب والاغتيالات والقهر والزبائنية ـ بقرار أو بمجموعة قرارات، خصوصاً عندما يبقى الطرف المقابل محتفظاً بأدوات سياسية وأمنية وشعبية ومؤسساتية زرعها في “جسد الدولة” على مدى عقود، تُمكّنه من المناورة وعرقلة الانتقال الكامل نحو الدولة الفعلية المنشودة.

وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة الحالية انتقالية بامتياز. فالدولة لم تعد كما كانت عندما كان القرار اللبناني مرتهناً إلى حد كبير لإرادة “الحزب” الإيراني، لكنها لم تصبح بعد الدولة التي تستطيع فرض إرادتها كاملة على الجميع. ثمة مسافة تفصل بين الأمرين، وهذه المسافة هي ميدان الصراع الحقيقي في المرحلة المقبلة.

ولعل الخطأ الأكبر هو قراءة أي تراجع أو تأخير باعتباره دليلاً على أن شيئاً لم يتغير، أبداً. فمجرد امتلاك الدولة لموقف مستقل وإعلانها التزامها بحصرية السلاح ومرجعية المؤسسات، ليس أمراً بسيطاً إذا ما قورن بالمرحلة التي سبقت. لكن قيمة هذا التحول ستبقى محدودة إذا لم يُستكمل بالانتقال من الموقف إلى الفعل، ومن القرار إلى القدرة على فرضه. ولذلك فإن المعركة ليست بين دولة مكتملة الصلاحيات وخصمها، بل بين اتجاهين يتصارعان على استكمال ميزان القوى الجديد وتثبيته.

لقد ساهمت التحولات الإقليمية والميدانية في فتح هذه النافذة. فقد تلقى “الحزب” ضربة عسكرية كبيرة في المواجهة مع إسرائيل، ثم جاء اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 ليكرّس واقعاً جديداً، قبل أن يؤدي سقوط نظام الأسد البائد إلى إضعاف العمق السوري الذي شكّل لسنوات رئة أساسية للمشروع الإيراني في لبنان. وهذه التطورات قلّصت قدرة “الحزب” على الحركة وأضعفت البيئة الإقليمية التي كان يستند إليها، لكنها لم تُسقط كل عناصر نفوذه، ولم تجعل الطريق أمام الدولة خالياً من العوائق.

ومن هنا، فإن المطلوب من القوى السيادية ليس انتظار انقلاب كامل في ميزان القوى حتى تتحرك الدولة، ولا التعامل معها كأنها تمتلك اليوم القوة التي يفترض أن تصل إليها غداً. المطلوب هو استثمار التحول الذي تحقق، وتعزيز الاتجاه الذي أنتجه، ودفع مؤسسات الدولة إلى أبعد مدى ممكن في ممارسة صلاحياتها، والإقدام أكثر والجرأة أكثر، بالتوازي مع استمرار الضغط السياسي والشعبي باتجاه استكمال ما بدأ.

المرحلة الحالية لا تحتمل لا الاستسلام ولا الأوهام. الاستسلام يعني التسليم ببقاء المعادلة القديمة، بينما الوهم يعني الاعتقاد بأن سقوط جزء من هذه المعادلة أسقطها كلها. وبين الاثنين، تقع مسؤولية العمل السياسي الحقيقي: حماية الدولة من التراجع وشدّ أزرها، وتوسيع قدرتها، وتثبيت قراراتها، وصولاً إلى اللحظة التي لا يعود فيها السلاح خارجها قادراً على فرض شروطه عليها.

عندها فقط يصبح الانتقال مكتملاً: من دولة كانت أداة في يد مشروع خارجي، إلى دولة تمتلك قرارها، ثم إلى دولة تستطيع أن تحمي هذا القرار وتنفذه. وهذه هي المعركة التي لم تنتهِ بعد، والتي يفترض أن يكون هدفها النهائي واضحاً: دولة فعلية واحدة، سلطة حاسمة واحدة، وقرار سيادي لا يحتاج إلى إذن من أحد ولا أحد يمكنه أن يقفز فوقه.

Exit mobile version