#adsense

خاص ـ مرتينوس طربيه.. الراهب البطل (ميشال يونس)

حجم الخط
مرتينوس طربيه
مرتينوس طربيه
مرتينوس طربيه
مرتينوس طربيه

“لا تُخفى مدينة موضوعة فوق جبل “. هي المدينة والضَّيعة في آن. كعقدٍ معلَّق في قمم بلاد البترون تتدلَّى بيوتها الزمرُّد من جوار الغيم حتى واديها، حيث للخالق القدوس في محابس الوادي التنوريّ يوم سابع ينال فيه حصَّته من الرَّاحة!

هيَّ لا ترتفع عن سطح البحر، إنَّ مقاسها جغرافيًا وتاريخيًا يلامس سطح السَّماء وبشهادة شمسٍ لا تحلف زورًا، وصقيعٍ لا يصادق إلاَّ شعبًا يتنفَّس ريحًا وثلجًا. ضيعةٌ ساكنة جرد يرتفع كسراج فوق مكيال قضاء مار يوحنا مارون، قد أصرًّ مارونها البار مدوِّن سيرة “رهبان ضيعتنا”، أن تبقى على ضيعويَّتها حتَّى لو أهاليها تجاوزوا مئة ألف مباركة ومبارك. دنياها المجاورة جبال التّطويبات، المشرفة على إنجيل بحر المعلم والصيادين، ها هي تستكين منذ تكوينها الأقدم ما بين المائدة والمأدبة. مائدةٌ تتَّسع لألف نعمة ونعمة، ومأدبة تولِم لضيوفها السَّاروفيم ألف نغمة ونغمة، ولصاحبة الوليمة اسمها المضياف المشتق من “التنور”، تنورها موقود بالنار والنور والحبور والنذور!

إنَّ لها من كنيتها تنّوران يشعلان الذَّاكرات الخافتة الضوء على حكايات المجاعة الكونية الكبرى… وذاك الذي أشبع الخمسة آلاف من بضع أرغفةٍ وسمكات لم يفتح ثقته المطلقة كما فتحها لأغناطيوس تنوري ومرتينوس تنوري، وطعام جموع الجياع المسحوب كدم الخبز الجوهري من عروق أراضي، وأملاكِ، وأرزاق، وأديار الرهبانية اللبنانية المارونية، شاهد يقسمُ اليمين بصلاة: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”… وتجويعنا!!

 

تنورين يا شير الحريّة

آشعيا النبي قد سبقنا جميعًا وتفوَّق علينا بإطلاق النبؤة الصَّائبة المعاني شعورًا وشعرًا وترنيم: “لنا مدينة قويَّة، يجعل الرب فيها خلاصًا ومِترسة. افتحوا الأبواب للأمَّة البارة الحافظة الأمانة”! هذه المدينة البترونية الجردية القوية بأمَّتها البارة، قد رفعت الأمانة إلى راهبين من بنيها تخرَّجا من  المدرسة الحربية لعساكر السَّماء المحيطة معنا بمائدة مذبح، بيعت كؤوسه وصلبانه وشماعدينه طوال أربعة أعوامٍ تضوَّر فيها جوعًا وهُزالاً ابن الانسان ملك أخوته الصِّغار!

أنكشارية من نسل “أورطغرل” باعث البدعة العثمانية التي فعلت بالشرق نيِّف وأربعمئة سنة، ما لم تفعله وحوش وضواري ملاعب روما النيرونية… أرمينيا وسَيفو 1916… وسبقتهما دمشق 1860… وجبل لبنان منذ المير فخر الدين المعني الكبير حتى ما بعد مشانق ساحة الشهداء!

راهبان تنوريان ومسيح الشرق يستنجد بهما، وربُّ الحصاد يدعوهما لحصاد القمح اللبناني من بين أنياب وحوش السلطنة. راهبان تنوريان لبنانيان كانا في زمانهما وزماننا الفجيع أخطر المهرِّبين… لقد تعهَّدا تهريب أيَّة غايةٍ ووسيلة تنقذان ما تبقَّى من عائلات موطن “مرقد العنزة”، أولئكَ المحكومين بالإعدام جوعًا وتجويعًا، والخبز تائه والمشانق حاضرة!

رهبان لبنانيون مهرِّبون، ليس مثلهم من تسلَّل بأعدال وأحمال الحنطة إلى مواطنيهم الحائمين حول الجِّيف وما تبقَّى من نبات بريّ، وحبال الشَّنق تكاد تحلُّ على أعناق الرهبانية بديلاً عن الأساكيم، أساكيم الجسارة والبطولة والفداء. أيضًا وأيضًا ما من حبٍّ أعظم… الرهبانية التي نزعت عنها جميع ممتلكاتها وأرزاقها وعقاراتها قد التقطت الإشارة والعلامة وعلمت تمام العلم في أية ساعة حرجةٍ تنفِّذ التوصية الأقدس الأقسى: “بع جميع ما تملك ووزِّع أثمانه على الفقراء والمعدمين”، وبفم أبويها العامين أغناطيوس ومرتينوس ترنم رهبانية وثيقة رهنية أراضيها: “الرب نوري وخلاصي فممن أخاف، الرَّب حصن حياتي فممّن أفزع”!

 

شاتين راهبكِ البطل

ضيعةٌ تقارب سِفر الرؤيا، هيَّ مِن أصول تنورين الكبرى، وجهها صوب وطى حوب، وجارتها بلعا أعجوبة أغوار هدير الينابيع. إنَّها شاتين معرض بيوت عراقة المكان والزمان، ومنحوتة القصائد المبنيَّة بالحجارة وأسطح القرميد. بناة بيوتها سبق وأتقنوا زرد المسابح بيوتًا بيوت يربى فيها السلام الملائكي، وبيوتٌ تربِّي السلام على الأهل والجيران والزوار. هي منازل شاتينيَّة في مقام مزار للعين التقيَّة، والبصر الخاشع لأقداس بنيان الضيعة اللبنانية، وكيف إن كانت تنورية مشمولة ببركة أرز حريصا وسائر البلاد! شاتين وحارة آل طربيه، والعام آنذاك 1889، عام ولادة خليل طربيه المولود تلك السنة على نيَّة وسجيَّة ما قيل يوم مولد أعظم مواليد النساء: “ما عساه يكون هذا الصبي ويد الرب معه”… مولود شاتين 1889 في حارة آل طربيه، شاءه صاحب ميزان الدعوات الأسمى أن يكون طالب الترهُّب، ثمَّ المبتدئ، ثم الأخ الناذر بسيطًا واحتفاليًا، ثم الأب الكاهن، ثم الأب العام مرتينوس طربيه التنوري الشَّهير “بالراهب البطل”!

وجه تنوريٌ جبلي، ملامحه ملامح السنديان صلابةً ووقارَ. إطلالته نموذج لواجهة محبسة رهبانيَّة سقفها جبين رهباني وفيُّ النذور، شديد البأس بأس حجر الزاوية. سلطة الأب العام مرتينوس قد أُعطيت له من فوق. بها تقوَّى على أبالسة الاحتلال العثماني، وبها تسلَّط على جواسيسهم ومخبريهم وأذنابهم… وعشرات آلاف من الأفواه المتيبِّسة يا ما انتظرت عودة أخطر ناذري نذر التَّهريب المقدس، ثابر وتصابر مدى أربع سنوات الحرب العالمية على اجتياز كمائن أكثر الأخطار ضراوةً، وتجاوز عيون ضباع وذئاب وثعالب الجاسوسية، وكم من المرات لم يبقَ بين رأسه وحبال الشنق مسافة تلاوته فعل الندامة وطلب الحلَّة الأخيرة من الكاهن يسوع… لكنَّ صوتًا كان يوافيه من فوق أحاسيس الرعدة والخوف والارتعاب، لابسًا مسامعه كدرع الخلاص : تشدَّد يا مرتينوس، إنَّك راهبهم وبطلهم، وهم على تمام موعد أنظار إطلالتك عليهم بفارغ صبر قواهم  الخائرة، وأفواههم الفاغرة، وأمعائهم الخاوية، ومعاجنهم الفارغة، أنت الذي تستعيد بعضًا من  شبعهم المخطوف من أسراب الجراد وقطار سفر برلك… تعود إليهم يرافقك نشيد خبز الحياة، وقوت  الأرواح، وعربون النَّعيم… نعيم مُعفَّرٍ عن البيادر، مطحون بمطحنة سريَّة، منخولٍ بمناخل يتيمة، معجون بالقهر والدمع والسِّترة، ومخمَّرٍ بالرجاء الصَّبور، ومخبوزٍ خبزًا يرقّيك إلى رتبة خبّازٍ رسوليٍّ مسكونيّ !!

 

القيدوم التنوري والمقدّم البواري

“حبَّة الحنطة إن لم تقع في الأرض تبقى مفردة “. حنطة ضحايا غول بني عثمان قد وقعت لبنانيًا على عاتق قدوة رهبان الفداء الأعظم، بطل القمح المحرَّر المهرَّب بونا مرتينوس، كما على عاتق رفيقه وملازمه سيرًا على حافة الأسر والموت، شيخ شباب قرية البوار المباركة وسائر بلاد العاصية كسروان المقدام الأشهر “بشارة جرجس البواري” ترافقا سويَّة وأتمَّا معًا ما أراده الأسلاف المغبوطين، بطاركةٌ، ورهبانًا، ونسَّاكًا، وفرسانًا، وقادةً مقدَّمين، عرفوا جميع فرائض البذل حتَّى عمق أعماق جراح الصَّلب. الراهب مرتينوس ورمّاحه بشارة البواري يستعيدان شركة المقاومة اللبنانية في ثنائية راهبٍ يخوض معارك نذوره الرهبانية ومقاوم لبناني يخوضها متمنطقًا بنذوره الزيتية، وكما بولس لا يعرف يسوع إلاَّ مصلوبًا، كذلك ثوار تورة النسّاك لا يعرفون راهبهم اللبناني الماروني إلاَّ مقاومًا لبنانيًا!

الرفيقان حتَّى الذبيحة العتيدة بونا مرتينوس والفارس بشارة، مرَّاتٍ ومرَّات كادا يلازمان دانيال النبي داخل جبِّ الأنياب المفترسة… ومرَّاتٍ مرات كادا يباتان في شبيه بطن الحوت الذي بات فيه يونان النبي… التنوري والبواري يسيران نحو قوت شعبهما من دون هوادة وتهاون. يمشيان ليلاً ونهارًا، فجرًا وظهرًا ومساء وقبريهما فوق أكتافهما، يسرعان إلى أرواح تئنُّ، وتتململ، وتنازع، وليس من شاهد إلاَّ غربان الجثث! الأب العام أغناطيوس التنوري يبذل جميع ما تملكه رهبانيته على إيمانٍ بأنَّ لا أديار، لا كنائس، لا ذبائح تُرتفع لغفران الخطايا طالما الأفخارستيا اللبنانية تتضور جوعًا وتتضوّر شنقًا بتخطيط وتنفيذ ورعاية خطيئة كونيَّة أممية لا تغتَفر !!

 

مرتينوس طربيه أب عام لبناني

عام 1939 نزل على الرهبانية اللبنانية المارونية كساعة التَّخلي وأبيها التنوري جاهر بنيَّته التخلِّي عن مركز رئاستها العامة بعد عهود من التجديد له مجمعًا تلوى مجمع… قديس خبز الجياع إلى الخبز السماوي والخبز اللبناني تحقَّق يقينًا بأنَّ الساعة قد دنت كي يلتحق بالمنصب والتوصيَّة معًا، منصب وتوصيَّة: “فليكن كبيركم خادمًا لكم” وأرفع المهمات التي أنجزها برفقة أمين سره الأب مرتينوس يوم حملا ملف تطويب وتقديس إخوتهم البقاعكفري والحرديني والحملاوية إلى بين يدي الأب الأقدس نائب المسيح على الأرض! المجمع الرهباني الإنتخابي ينعقد لانتخاب الأصلح بحمل وزنات هامة كهامة الأب العام أغناطيوس. وكأنَّ روح المشورة الصالحة قد أبرز لمجمع المقترعين تلك الوثيقة الخطيرة التي حملها أخوهم الراهب البطل وأبحر بها من مخاطر شاطئ البوار المراقب ليلاً نهارًا وأوصلها إلى الحاكم الفرنسي على جزيرة أرواد ألبير ترابو… وثيقة بذل أملال الرهبانية رهينةً لم يكن من غيرها لرفع أحكام الجوع حتّى الموت. وثيقة الوثائق ألهمت آباء المجمع المناداة بمغوار مغاوير الرهبان مرتينوس طربيه التنوري أبًا عامًا على رهبانيته اللبنانية وشهداء المجاعة الكونية أرغفة الخبز بيارقًا سماويّة لبنانيَّة وأصواتهم تنشد: “يا أبا الحق هوذا مرتينوسكَ ومرتينوسنا ذبيحةً ترضيك!!!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل