#adsense

إيران: انهيار منظومة الأساطير الأوهام!

حجم الخط

صحيفة النهار – علي حمادة 

تشكل عملية “الإنزال الأميركي” على المالية والاقتصاد الإيرانيين منعطفاً جديداً في حرب بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ولم تنته حتى يومنا هذا.

فإيران ما قبل عملية “طوفان الأقصى” شيء وما بعده شيء آخر تماماً. انهارت أركان أساسية تشكلت منها “الإمبراطورية الإيرانية” الإقليمية مدى أربعة عقود، فتداعى مشروع “الجمهورية الإسلامية” في عقر داره.

 

انهيار النفوذ الإيراني في سوريا بالكامل، وانهياره إلى حد بعيد في لبنان شكلا إلى جانب طحن قطاع غزة تحت قيادة حركة “ح”، علامات الانهيار المتدرج لمشروع إيران التوسعي الذي قام طوال عقود على فكرة استغلال شعارات الأنظمة العربية العسكرية السابقة في ما يتعلق بقضية فلسطين التي لطالما كانت تلهب الشارعين العربي والإسلامي.

 

وسطو إيران على شعار فلسطين كان الجسر الذي عبر منه المشروع التوسعي في الإقليم، بانياً أسسه أيضاً على التعصب المذهبي الذي كثيراً ما لامس العدوانية حيال الفئات الأخرى من المجتمعات العربية في الإقليم.

 

من هنا وبعد مرحلة صعود وتوسع، بدأت إيران رحلتها مع الانحدار المستمر مشفوعاً بتقلص دائرة نفوذها في الإقليم. فخسارة سوريا فادحة وقاتلة. وخسارة المنصة اللبنانية مروعة حتى مع بقاء ذراعها المحلية أي “الحزب” الذي يكاد أن يصير أشبه بجسم غريب عن لبنان بتنوعه، وتوازناته الدقيقة، ونمط الحياة اللبنانية التي لا تختلف كثيراً بين مكون وآخر من المكونات اللبنانية.

 

وحدها الذراع الإيرانية شكلت داخل بيئتها الحاضنة افتراقاً سياسياً، أمنياً، اقتصادياً، ثقافياً صادماً نقل البيئة من لبنانية أصيلة إلى حالة غريبة منفصلة في مكان ما عن الجسم الأكبر من المجتمع اللبناني بتنوعه.

 

ولعل الانفصال على المستويين الثقافي والمدني الذي دفع به “الحزب” جزءاً وازناً من البيئة الحاضنة، أسّس لشرخٍ كبير تجلى أخيراً في حربي الإسناد اللتين خاضهما الحزب نيابة عن إيران، ومن خلال ردود فعل المجتمعات الأخرى في البلد حيال النزوح الكثيف للبيئة الحاضنة للحزب بحيث اتسمت بترحيب علني وانزعاج ضمني.

 

والسبب الأساس أن الحزب المذكور خطف حاضر البيئة الشيعية وجزءاً كبيراً من مستقبلها، بقوة المال والارتكابات وثقافة التشبيح المتمادية في جميع مناحي الحياة الخاصة والعامة. كل هذا في الوقت الذي كانت فيه سائر البيئات الأخرى بدفع من نُخبها تطمح إلى بناءٍ وطني مدني يستظل التساوي أمام القانون.

 

هكذا خطف “الحزب” مليوناً ونصف مليون من اللبنانيين الأصيلين وحوّلهم خلال ثلاثة عقود إلى حالة منفصلة أقله في لاوعي البيئات الأخرى. هذه هي الحقيقة، ويجب أن تقال. فالضرر الذي ألحقه “الحزب” بجمهوره كبير، وخصوصاً أن إيران تقاتل من أجل المحافظة على هذه المشاريع في العراق ولبنان واليمن على رغم أنها فشلت عملياً في تشكيل بدائل صالحة لوراثة الدول الوطنية.

ثم تأتي حروب إيران الإقليمية التي أطلقتها قبل ثلاثة أعوام في غزة، ثم في لبنان، لتكشف عمق النفور الإقليمي من هذا الجار المتعب في أقل تقدير. وبكل صراحة جميع الدول العربية في الإقليم تنفر من المشروع الإيراني المدمر للاستقرار، في منطقة كانت تطمح منذ بداية الألفية الثالثة إلى إطلاق برامج تنمية اقتصادية واجتماعية بغية التعامل مع مرحلة ما بعد اقتصاد النفط…

في حالة إيران جرى بناء نظامٍ “ثوري” أمني، عسكري، مؤدلج، وغارق في عقلية تصفية حسابات سلطوية نشبت قبل 1400 عام، وتأجيجها تحت عنوان الثأر الذي لا ينتهي. وفي مقاربة الأمن القومي للنظام برز التوجه إلى خلق دوائر نفوذ في الإقليم الأقرب وخصوصاً في بلاد الشام، والأبعد على أطراف الجزيرة العربية. والفكرة من إقامة هذه الدوائر تفكيك الكيانات وتفتيت المجتمعات والتسلل عبر شقوق النزاعات السلطوية لانتزاع نفوذ هنا ونفوذ هناك.

 

لم يشهد تسلل إيران في الإقليم سوى نزاعات استخدمت فيها المذهبية المتخلفة والقبلية الأكثر تخلفاً. والحقيقة أن العالم العربي يتابع ما تعاني منه إيران من تبعات داخلية وخارجية لسلوكها مع 100 مليون مواطن إيراني أسرى السجن الكبير، و350 مليون مواطن عربي اقتنعت غالبيتهم بأنها ضحية “جمهورية الدم والأساطير”.

صحيح أن الحرب ضد النظام الإيراني لم تحسم بعد. لكن الانهيار حقيقي ويتجاوز بحجمه قدرة بروباغاندا النظام على إخفائه أو تصنيفه “انتصاراً” آخر يضاف إلى آلاف الانتصارات كالتي روجوا لها بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، أو في حالة ” الحزب” في لبنان بعد هجوم “البيجر” أو مقتل الأمين العام السابق للحزب نصر الله! أهم ما في الحالة الإيرانية بمعناها الواسع هو انهيار منظومة الأساطير الأوهام!

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل