#adsense

خاص ـ لبنان على دولار المغتربين.. والآتي أخطر! (ناي الحاج)

حجم الخط

خاص ـ لبنان على دولار المغتربين.. والآتي أخطر! (ناي الحاج)

في لبنان، لم تعد أموال المغتربين مجرد تحويلات تصل إلى عائلات تنتظرها في نهاية كل شهر. لقد تحولت، بعد سنوات الانهيار المالي والمصرفي، إلى شريان حيوي يمدّ الاقتصاد بالدولارات، ويؤمّن للأسر قدرتها على الصمود، ويحرّك الأسواق في بلد تراجعت فيه قدرة الدولة والمصارف على لعب أدوارهما التقليدية.

الأرقام تختصر الكثير وتدلّ على الكثير وتدقّ ناقوس خطر كبير، إن أراد أحد سماعه. فقد بلغت تحويلات العاملين إلى لبنان، وفق بيانات مصرف لبنان، نحو 6.25 مليارات دولار في العام 2025، مقابل حوالى6.77 مليارات دولار في العام 2024، أي بتراجع يقارب 526 مليون دولار، أو 7.8 في المئة خلال عام واحد. مؤشر خطير وانعكاساته كثيرة على اقتصاد منهك مستنزف، فعلى الرغم من أن التحويلات لا تزال عند مستويات مرتفعة، إلا أن الاتجاه أصبح مقلقًا في اقتصاد يعتمد بشدة على الدولار الآتي من الخارج.

وتزداد أهمية هذه التدفقات عند مقارنتها بحجم الاقتصاد. فبحسب بيانات البنك الدولي، شكّلت التحويلات نحو ثلث الناتج المحلي في السنوات الأخيرة، ما يضع لبنان بين أكثر الاقتصادات اعتمادًا على أموال المغتربين عالميًا. وفي اقتصاد ما بعد 2019، لا تذهب هذه الأموال في معظم الحالات إلى الادخار، بل تتحول سريعًا إلى استهلاك: غذاء، دواء، أقساط مدارس وجامعات، إيجارات، كهرباء وخدمات.

وهنا تكمن قوة التحويلات: الدولار الذي يصل إلى عائلة لبنانية لا يبقى في المنزل طويلًا، بل ينتقل من يد إلى أخرى عبر المتاجر والصيدليات والمطاعم والمدارس ومقدمي الخدمات، فيضخّ السيولة في السوق ويدعم النشاط الاقتصادي.

وتشير مصادر اقتصادية الى أن الدور الأخطر للتحويلات يرتبط بالدولار نفسه، فمع استمرار ضعف القطاع المصرفي وتراجع قدرته على جذب الودائع والتمويل الخارجي، أصبحت أموال المغتربين إحدى أبرز قنوات دخول العملات الأجنبية إلى الاقتصاد، وهي بذلك تساعد على تمويل الاستيراد، وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، ودعم ميزان المدفوعات.

غير أن هذه المعادلة تحمل وجهًا آخر أكثر قسوة. فكلما ازداد اعتماد لبنان على أموال أبنائه في الخارج، ظهر حجم العجز في الاقتصاد الداخلي عن إنتاج الدخل وفرص العمل الكافية، وللأسف، أصبحت الهجرة، بصورة غير مباشرة، جزءًا من شبكة الأمان الاجتماعي: لبناني يعمل في الخارج لكي تتمكن عائلته من الاستمرار في الداخل.

والسؤال اليوم: ماذا لو تراجع هذا الشريان؟

تؤكد المصادر أن المخاطر تبدو أكبر في العام 2026. وترى في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن التحدي الأكبر يكمن في أي تصعيد أمني جديد، ما سيتحول إلى زلزال اقتصادي داخلي. فالسياحة، والاستثمارات، وتحويلات المغتربين، وهي شرايين أساسية لضخ الدولار في الاقتصاد، ستتأثر سريعًا بأي توتر، فيما الدولة عاجزة عن امتصاص الصدمات أو تمويل احتياجاتها المتزايدة.

وتلفت الى أن الأزمة المصرفية تبقي الجرح المفتوح مع غياب الحل النهائي لمصير الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. أما الخطر الأكثر هدوءًا والأشد فتكًا، فهو تأخر الإصلاحات، فكل شهر يمرّ من دون إصلاح مالي ومصرفي جدي يعني مزيدًا من استنزاف ما تبقى من قدرة الدولة والاقتصاد على الصمود.

إذًا، ومع تجدد الصراع والضغوط الاقتصادية، تتزايد حاجات لبنان إلى العملات الأجنبية في وقت يحتاج فيه، وفق تقديرات البنك الدولي، إلى نحو 11 مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار، في المقابل، تشير التوقعات إلى انكماش الاقتصاد بنحو 6.4 في المئة وارتفاع التضخم إلى حوالى 17.5 في المئة.

وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع تراجع التحويلات باعتباره مجرد انخفاض في دخل بعض الأسر. فإذا تحول التراجع الحالي إلى نزف يتجاوز مليار دولار سنويًا، فإن التداعيات قد تطاول الاستهلاك والتجارة والسيولة وميزان المدفوعات، وتزيد الضغط على سوق الصرف.

صحيح أن التحويلات لا تزال تتدفق، وصحيح أن تراجعها لا يعني بالضرورة عودة سيناريو الانهيار الذي بدأ في العام 2019، لكن الرسالة واضحة: كل دولار أقل يدخل لبنان يضيّق هامش المناورة أمام اقتصاد لم يستعد بعد عافيته.

لذلك، لا يحتاج لبنان إلى مغتربين يرسلون الأموال فحسب، بل إلى سياسة تجعل من الاغتراب قوة استثمار وإنتاج ونقل خبرات. فدولار المغترب يستطيع أن يساعد لبنان على الصمود، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني اقتصادًا سليمًا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل