
منذ الإطلالة الأولى للشيخ نعيم قاسم كأمين عام لـ”الحزب” بعد القضاء على سلفيه، لم يتوقف سؤال المؤيدين قبل المعارضين والمحازبين قبل أعداء “الحزب”، وتساؤلاتهم هل بخل شورى “الحزب” ووليه الإيراني واقتصدا وادخرا حين وقع خيارهما على الشيخ نعيم قاسم ممثلًا للإمام خامنئي في لبنان، حاملًا لشعلة مقاومتها الإسلامية في لبنان، محافظًا على إرث ووصايا الأسلاف في “الحزب”.
مردّ السؤال والتساؤل هو في ما أجاب عنه قاسم في سيل إطلالاته وبياناته وإيضاحاته التي بدل أن تزيل لبسًا وغشاوة وارتيابًا وقلقًا من أمام عيون مريديه ومؤيديه، زادتهم ضلالًا وخنقتهم قلقًا على مصائرهم ومستقبل الطائفة الشيعية الكريمة التي يمسك بزمامها “الحزب” في لبنان والحرس الثوري في إيران.
قد تكون الإطلالات الأخيرة للأمين العام قاسم، وخاصة بعد قرارات الدولة وحكومتها في حزم أمرها في خيار وقرار الحرب والسلم، بسطًا لسلطتها وخوضًا لحقها في المفاوضات، خير من أماط اللثام عن الحالة التي وصل اليها “الحزب” وبيئته الشيعية بعد تسليم قرعة القيادة والأمانة ليد الشيخ نعيم قاسم.
لم تشذ إطلالة الشيخ قاسم في 28 آب من العام 2026 عن سابقاتها المذكورة والتي تبرر وتؤكد صحة القلق والارتياب والخوف على المستقبل الذين يعترون “أمة الحزب” وجمهوره ومؤيديه والتابعين.
فبعد تراكم خسارات وهزائم “الحزب” في إسنادي غزة وإيران واللذين اتخذ قرارهما “الحزب” ووليه من دون الأخذ برأي الشركاء في الوطن ومن دون استشارة الدولة اللبنانية وحكومتها ومن دون العودة طبعًا الى ممثلي الشعب اللبناني في المجلس النيابي، وبعد أن وافق “الحزب” في 27 تشرين الثاني من العام 2024 على نزع سلاحه من جنوب وشمال الليطاني بالعودة الى القرار 1701 والقرارات ذات الشأن مثل الـ1559 وبالاستناد الى اتفاق الطائف الداعي الى حلّ كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، يقفز نعيم قاسم فوق توقيعه والوقائع ليقول “السلطة اللبنانية اختارت مسارًا لا يشرفها ولا يشرف لبنان ولا يشرف تضحيات اللبنانيين، عندما تخلت طوعًا عن اتفاق 27 تشرين الثاني من العام 2024″… وبقوله: “نحن نقبل بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني من العام 2024 الاتفاق اللي نعمل تحت سقف الـ1701 وما في شيء آخر.”
كذلك في تماديه قائلاً للدولة المخولة بحكم القانون والدستور والشرعية “منين بيحقلكم إنو تعطوا من كيس السيادة مين مفوضكم انو تتخلوا عن السيادة”… على الرغم من أن من سبقه في الأمانة العامة قد سما متفوقًا على خلفه في هذا المجال بقوله في 31 تموز 2022: “حلّ عني يعني إنت اصلًا إنسان؟ أنا الله مكلفني إنت مين كلّفك، نحنا ناس الله مكلفنا إنت مين كلّفك”…
يقول قاسم مؤكدًا مخاوف وتوجس الأقربين قبل الأبعدين من قيادته وحسن سيرها وتسييرها “بيقولوا إنو المفاوضات أحسن من الحرب”، مظبوط المفاوضات أحسن من الحرب، بس قولولي هاي المفاوضات اللي فتوا فيها وقفت الحرب”… ولم يقل قاسم إذا كانت المقاومة التي رفع شعارها قاسم نفسه في انتخابات العام 2018 “نحمي ونبني” قد حمت أو منعت اعتداء أو أوقفت حربًا، ولم يتطرق قاسم طبعًا عن ما تقوم به المقاومة تحت إدارته جراء استمرار العدو الإسرائيلي في عمليات القصف والجرف والتدمير والتوغل والقضم، تحت ذريعة احتفاظ “الحزب” بسلاحه خلافًا للقرارات التي وافق حزبه على بعضها، كما أقر قاسم، ووافق وزراء توأمه حركة “أمل” على بعضها الآخر.
يزيد من قناعة المتسائلين المشككين والمتوجسين من أهلية قاسم للقيادة قوله “أميركا ليست نزيهة، أميركا متواطئة مع إسرائيل. الدنيا كلها بتعرف إنو أميركا ليست وسيطًا بينكم وبين الإسرائيليين، أبدًا، أميركا وإسرائيل واحد فتشوا على وسيط غير الوسيط الأميركي حتى يمشي الحال، لأنه بالحقيقة نحن بدنا وسيط مع أميركا وإسرائيل.”… متناسيًا قبوله بوساطة الإسرائيلي – الأميركي آموس هوكشتاين تحت شعار رفعه الأمين العام الراحل “بدنا ناكل عنب”، عندما أعلن الانتصار الكبير في ترسيم الحدود البحرية الذي أعطى إسرائيل أكثر ما تستحقه وأخذ من لبنان ما يحق له… وطبعًا نسي قاسم وتناسى انفتاح الوسيط الأميركي توم برّاك على مفاوضة “الحزب” ووليه الإيراني والذي تلقفه “نائب رئيس المجلس السياسي للحزب الحاج محمود قماطي بقوله متجاوزًا أمينه العام بقوله في 22 آب من العام 2026: “الحزب لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكانية التواصل المباشر مع الأميركيين والقرار في هذا الشأن سيتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة”.
أما قول قاسم “اللي عنده هيك مقاومة ما بخاف”، فيرد عليهم الخائفون المتوجسون من أن يعطي ترامب “الأميركي غير النزيه”، الضوء الأخضر لنتنياهو الإسرائيلي، للهجوم على تلال علي الطاهر ويفتح الطريق واسعًا أمام الجيش الإسرائيلي للوصول السهل غير الممتنع الى النبطية، وصولًا الى صور وصيدا فالأولي وتلال جزين ومنها الى البقاع الغربي، وقد يسقط الإنجاز الذي ادعاه قاسم في إطلالته “نحن أنجزنا أننا منعناهم أن يصلوا الى العاصمة بيروت”… إذا سمح الأميركي بذلك…
وما يعزز عدم الثقة بقاسم وبما يقوله هو في مجموع التناقضات في ما يرد على لسانه في إطلالاته وفي الإطلالة الواحدة وحتى المقطع الواحد منها، إذ بعد أن يقول قاسم “نحن ما بدنا الحرب”… يقول “سنبقى في الميدان”، ليعود ويقول “احنا جماعة معودين على الصبر، وكل شيء له وقته لا تستعجلو، البعض بيقول يعني بعد كمان بدنا نصبر.. بدك تنطر شوي بس لحتى يبين بعض المعالم من الخسران… نحن نتعاون ونتساعد قد ما منقدر”!!!
في انفصال مشهود من بيئة “الحزب” أولًا ومن مجموع اللبنانيين ثانيًا، يقول أمين عام “الحزب” الخلف وسط قرقعة طبول الحرب في إيران وأصوات الانفجارات وهدير الطائرات والجرافات وأنباء التوغلات داخل وخارج الخط الأصفر في لبنان: “لولا إيران والاتفاق مع أميركا بمذكرة التفاهم، لما انخفض التصعيد وإلا العدوان بعده مستمر”.
