صحيفة نداء الوطن – طوني عطية
كل عام، تحلّ ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، وتطرح معها الإشكالية المفتوحة على شقّين: الأول، ماذا جرى في 31 آب 1978؟ ما مصير الإمام ورفيقيه؟ مَن كان المستفيد مِن إبعاده؟ وهل ظهرت معطيات جديدة تسهم في كشف حقيقة ما حصل؟ أما الشقّ الثاني، الذي لا يقلّ أهمية، فهو: كيف كان سيكون حال لبنان، وخصوصًا الطائفة الشيعية وعلاقتها بالدولة وبسائر اللبنانيين، لو بقي الصدر حاضرًا في الحياة السياسية والوطنية؟
منذ ذلك التاريخ، بقي الجرح نازفًا، والأسئلة بلا أجوبة حاسمة. كما أن استعادة هذه القضية تحمل معها وجعًا لمحبيه ومؤيّديه من جهة، وإحراجًا لمن تولّوا من بعده قيادة الشيعة دينيًا وسياسيًا، وتحديدًا “الممانعين”، من جهة أخرى.
لكن المناسبة الأليمة تستعيد هذا العام زخمًا إضافيًا في ضوء الرواية التي قدّمها الباحث والمؤرّخ والإعلامي العراقي د. حميد عبد الله في برنامج “تلك الأيام”، والتي تتضمّن تفاصيل شديدة الخطورة عن الساعات الأخيرة للإمام الصدر ورفيقيه في ليبيا، وصولا إلى الحديث عن وثائق يُفترض أنها لا تزال موجودة في العراق. وتستند الرواية بشكل أساسي إلى معلومات حصلت عليها المخابرات العراقية من مصدر أمني ليبي كان على صلة مباشرة بدوائر نظام القذّافي.
بحسب عبد الله، بدأ الخيط بعقيد ليبي سابق وبعثي يُدعى سليم الحجاني، طلب اللجوء السياسي إلى بغداد وأبلغ المخابرات العراقية بأن مسؤولا مهمًا في جهاز الأمن الخارجي الليبي، هو محمد أحمد العدّال لديه معلومات مهمّة عن نظام القذافي. وبناء على ذلك، رُتّب لقاء بين العدّال وضباط عراقيين في السفارة العراقية في تونس، قبل أن يتحوّل الرجل، وفق الرواية، إلى مصدر للمخابرات العراقية ويزوّدها بمعلومات مختلفة، من بينها ما يتصل بقضية موسى الصدر. ويقول د. عبد الله إن العدّال استقى تفاصيل القضية من إحدى مرافقات القذافي شخصيًّا.
أما خلفية الخلاف، فتعود، وفق رواية برنامج “تلك الأيام”، إلى مرحلة كان فيها نظام القذافي يقدّم دعمًا ماليًا لعدد من التنظيمات في لبنان خلال الحرب الأهلية، ومنها حركة “أمل”، في الوقت الذي كان القذّافي يسعى إلى نشر “الكتاب الأخضر” والترويج له خارج ليبيا. فأُرسلت نسخ من الكتاب إلى لبنان، واطّلع موسى الصدر على إحداها.
وتشير الرواية إلى أن الصدر لم يُعجب بما قرأه، بل وصف الكتاب، في حديث داخلي، بأنه “تافه”، ووصف صاحبه بـ”المعتوه”. غير أن المخابرات الليبية، التي كانت تخترق حركة “أمل”، تمكّنت من تسجيل حديث الصدر وإيصاله إلى القذافي.
في 25 آب 1978، وصل الإمام إلى ليبيا، تلبية لدعوة الاحتفال بذكرى “ثورة الفاتح من سبتمبر”. وبحسب الرواية التي يعرضها د. حميد عبدالله، طلب القذافي لقاء الصدر منفردًا في 31 آب في باب العزيزية، من دون رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.
وفي اللقاء، واجه القذافي ضيفه مباشرة بما نُقل إليه، وسأله عمّا إذا كان قد وصف “الكتاب الأخضر” بأنه كتاب تافه. لم يتراجع الصدر عن موقفه أو يلجأ إلى المجاملة، بل أعلن رأيه بكل شجاعة، معللا إياه بأن الكتاب لا يتضمن، أي نظرية أو فكرة ذات قيمة.
القذافي، شأنه شأن سائر الطغاة، لم يكن يحتمل نقدًا أو اعتراضًا. وما إن سمع موقف السيد موسى الصدر حتى فقد أعصابه، وانهال عليه بكلام قاس، قبل أن يتجاوز الأمر إلى إهانة عمامته ورميها أرضًا. وبمنطق التخوين نفسه الذي يُشكّل سمة مرضية ملازمة لـ”الممانعة”، اتهم القذافي الصدر بأنه “إسرائيلي”.
أما الصدر، فحافظ على هدوئه، وردّ على القذافي بالقول إن مصيره سيكون في النار. عندها ازداد الأخير غضبًا، وأمر حراسه بتقييده واقتياده.
ويقول د. عبد الله إن الزعيم الليبي لحق بهم، واستدعى شخصًا يُدعى حسني الأحراري، ثم سحب مسدسه وأطلق رصاصتين في صدر الإمام موسى الصدر. وبعد ذلك، سلّم المسدس إلى الأحراري وأمره، بتصفية الشيخ محمد يعقوب وعباس بدر الدين، اللذين كانا قد قُيّدا ونُقلا إلى مكان آخر.
بعد وقوع الجريمة، واجه القذافي والمحيطون به مسألة التخلّص من الجثامين وإخفاء آثار ما حصل. فصدر الأمر إلى حسني الأحراري بنقل الجثث الثلاث ودفنها في منطقة “بئر الغنم”.
خطة روما
لم يكن دفن الجثامين، بحسب الرواية، كافيًا. كان لا بد من إيجاد مخرج يبعد المسؤولية عن النظام الليبي ويقدّم تفسيرًا لاختفاء الرجال الثلاثة. وهكذا وُلدت رواية سفر الصدر ورفيقيه من طرابلس الليبية إلى روما.
لذا، أعدت أجهزة النظام خطة تقوم على استخدام جوازات سفر الصدر ويعقوب وبدر الدين وإرسال ثلاثة عناصر أمنيين إلى إيطاليا لانتحال شخصياتهم، بما يوحي بأنهم غادروا ليبيا أحياء. واشترى المنفذون، تذاكر على خط طرابلس (ليبيا) – روما – بيروت، وكان الهدف خلق آثار رسمية تثبت عبور أصحاب الجوازات الثلاثة الأراضي الإيطالية.
ثغرات أساسية في الخطّة
إلا أن الخطة اصطدمت بثغرة أساسية: جوازات السفر اللبنانية كانت تحتاج إلى تأشيرات لدخول إيطاليا، وهو ما لم يكن متوافرًا في جوازات الصدر ورفيقيه. وبالتالي، تعذّر على الأمنيين الليبيين الحصول على أختام دخول رسمية على الجوازات الثلاثة.
وللتغطية على ذلك، كانت السفارة الليبية في روما قد حجزت ثلاث غرف فندقية بأسماء الصدر ويعقوب وبدر الدين. ودخل العناصر الثلاثة الفندق منتحلين شخصياتهم، ثم تركوا الجوازات وأغراض الإمام الصدر الشخصية عمدًا في الغرف، لإعطاء الانطباع بأن أصحابها كانوا هناك فعلا. لكن ترك الجوازات غير المختومة في الفندق تحوّل بدوره إلى قرينة على فشل الخطة، بدل أن يكون دليلًا على نجاحها.
وهكذا، بدل أن تحسم “رحلة روما” مصير الصدر ورفيقيه، تحولت مع مرور الوقت إلى إحدى أبرز نقاط الضعف في الرواية الليبية، ولا سيما بعدما خلصت التحقيقات الإيطالية إلى عدم ثبوت وصول الصدر ورفيقيه إلى إيطاليا.
لماذا لم يكشف العراق الرواية؟
يبقى سؤال آخر يطرحه عبد الله في برنامجه: إذا كانت المخابرات العراقية قد امتلكت هذه المعلومات في عهد صدام حسين، فلماذا لم تكشفها للرأي العام، وخصوصًا في ظل التوتر السياسي بين بغداد وطهران من جهة،
جوابه أن الحسابات الاستخبارية تغلّبت على المكاسب السياسية الآنية. فمحمد أحمد العدّال، بحسب الرواية، لم يكن مصدرًا في قضية موسى الصدر فحسب، بل كان يزوّد العراقيين بمعلومات حساسة عن النظام الليبي، بينها معلومات عن أشخاص كان مطلوبًا اغتيالهم خارج ليبيا، وعن أوجه التعاون العسكري بين طرابلس وطهران وملفات سياسية أخرى.
وكان كشف قضية الصدر، وفق عبد الله، سيؤدي عمليًا إلى إحراق العدّال كمصدر وإلى خسارة قناة استخبارية ثمينة داخل النظام الليبي. لذلك فضّلت بغداد، بحسب تفسيره، الاحتفاظ بالمعلومات وعدم كشف مصدرها.
لكن أخطر ما يطرحه عبد الله هو حديثه عن وجود وثيقتين تتصلان مباشرة بالقضية، ويقول إنهما لم تُدمّرا وإن رجالًا سابقين في المخابرات العراقية أخفوا الملف داخل العراق.
الوثيقة الأولى، رسالة موجهة من حسني الأحراري إلى القذافي يؤكد فيها تنفيذ أمر دفن الجثث الثلاث. أما الثانية، فهي وثيقة تتعلق بإيفاد ضباط المخابرات الليبية الثلاثة إلى روما بعد أيام قليلة على اختفاء الصدر ورفيقيه.
ليست الخاتمة
مع ذلك، لا يقدّم عبد الله روايته باعتبارها نهاية التحقيق، بل يقرّ بأنها يجب أن توضع تحت الاختبار وأن تقارن بسائر الروايات والمعطيات المتوافرة في القضية.
كما كشف عن تلقيه رسالة من نجل الإمام، صدر الدين الصدر، مدير مركز الإمام الصدر، يشكك فيها بالمعلومات التي عرضها البرنامج، معتبرًا أن كثيرًا منها لا يمت إلى الحقيقة بصلة. من جهته يرد د. حميد عبدالله بأن السيد موسى الصدر، المولود عام 1928، كان سيبلغ اليوم 98 عامًا لو بقي على قيد الحياة، متسائلا: إذا كان احتجاز شخص في فندق من فئة خمس نجوم لسنوات طويلة يهدد قدرته على الصمود، فكيف يكون الحال إذا كان محتجزًا في سجن أو معتقل؟
انقلاب “الممانعة” على الصدر
بعيدًا من إسقاط الماضي على الحاضر، فلكل مرحلة ظروفها وتحولاتها التي تترك أثرها في المواقف والخيارات السياسية، تكفي مقارنة لغة الخطاب ولسان حال الشيعة بين الأمس واليوم لإظهار حجم التبدّل في الأخلاق السياسية قبل أي بُعد آخر.
في حمأة الانقسام المسيحي – الإسلامي خلال الحرب اللبنانية، وفي ذروة المواجهة العسكرية والسياسية والعقائدية الشرسة بين “الجبهة اللبنانية” و”الحركة الوطنية”، نظر الإمام موسى الصدر إلى خصومه من خارج قوالب الشتيمة والتخوين.
ولعل المثال الأكثر دلالة، موقفه من الشيخ بشير الجميّل. ففي مرحلة كان فيها البشير أحد أبرز وجوه المعسكر المسيحي وأكثرها صلابة وراديكالية، لم يمنع الاختلاف العميق موسى الصدر من وصفه بـ”الشاب الشجاع”. لم يكن ذلك يعني تأييدًا لمشروع بشير أو انحيازًا إلى “الجبهة اللبنانية”، بل اعترافًا بصفة في خصم سياسي، وهو تحديدًا ما يكشف طبيعة الثقافة السياسية والدينية والأخلاقية التي كان الصدر يمثلها. كما كان للأخير موقفًا لافتًا من اجتماعات وخلوات “الجبهة اللبنانية” (وفق موسوعة مسيرة الإمام السيد موسى الصدر – الجزء الثامن: يوميات ووثائق 1977″، للمؤلف يعقوب ضاهر)، إذ قال: “علينا قبل التحليل أو التعليق على القرارات، الوقوف أمام الشكل الرائع للاجتماع- الخلوة، فلو أن قادة لبنان عمدوا إلى أسلوب التأمل والتفكير والتخطيط لما وصل لبنان إلى ما وصل إليه، بل كان الأسلوب السائد غالبًا هو أسلوب ردود الفعل والارتجال والتهرب من مواجهة المشاكل الحقيقية، وبالتالي إعطاء فلسفة لعدم البت بالقضايا الأساسية”.
ولعلّ المقارنة الأكثر تعبيرًا عن حجم التحوّل الذي طرأ على الخطاب الديني – السياسي الشيعي هي تلك التي يمكن عقدها بين الإمام موسى الصدر وتلميذه الإمام محمد مهدي شمس الدين من ناحية، والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان وغيره من رجال الدين والسياسة الذين يدورون في فلك “الممانعة”، من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز مقولة لافتة: جرت العادة أن تشكّل المرجعيات الدينية ملاذًا للأفرقاء السياسيين، فيلجأون إليها للاحتكام أو للشكوى من خصوم محسوبين عليها، علّها تسهم في تخفيف حدّة السجال وضبط التراشق السياسي. أما مع الشيخ قبلان، فانقلبت الآية: بات على خصومه اللجوء إلى مرجعيته السياسية للشكوى منه، علّها تتدخل لتخفيف حدّة خطابه القائم على التخوين والتهجّم.
الصدر وأبناء الشريط الحدودي
ويستعيد كثير من أهالي الجنوب صورة الإمام الصدر الذي واجه إسرائيل من دون أن يغضّ الطرف، عن مخاطر المشروع الفلسطيني في لبنان آنذاك، ولا عن الانتهاكات والتعديات التي كان يتعرّض لها أبناء بيئته. والأهم أنه لم يجعل “المقاومة” التي أسسها ذريعة لفرض إرادة فئة على سائر اللبنانيين.
ولعلّ ما يختصر مكانة الصدر، أن المنطقة الحدودية التي كانت خاضعة لسلطة الرائد سعد حداد، مؤسس “جيش لبنان الجنوبي”، شهدت، عقب تغييب الإمام، موجة تعاطف واسعة، إلى حدّ انتشار صوره في القرى المسيحية والإسلامية على السواء.
ويستذكر بعض أبناء المنطقة حضور الصدر في وجدان الجنوبيين الذي تعزّز يومها أكثر مما كان عليه قبل تغييبِه، ليتراجع تدريجيًا مع تصاعد هيمنة “الحزب” على الجنوب وبيئته السياسية. ولا يزال كثيرون يتذكّرون “الرزنامة السنوية” التي وزَّعت في معظم قرى الشريط الحدودي التابعة لـ”جيش لبنان الجنوبي”، عليها صورة الإمام مع عبارة: “كلّنا آمال بعودة الإمام”.
وفي العمق، نادى موسى الصدر بالكيان اللبناني، وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه. ومن بعده دعا الإمام محمد مهدي شمس الدين الشيعة إلى الاندماج في أوطانهم (ليس بمعنى الانصهار)، وإلى الابتعاد عن المشاريع العابرة للحدود وذات النزعات التوسعية. أما مع صعود “الحزب” وخطاب “الممانعة”، فتبدّل القاموس، وراحت أوصاف من قبيل “الغزاة” و”الخونة” و”العملاء” تُطلق على سائر اللبنانيين الرافضين لمشروع “ولاية الفقيه” وامتداداتها السياسية والعسكرية في لبنان.
في الخلاصة، ومهما تعدّدت الروايات حول مصير الإمام موسى الصدر ورفيقيه، يفترض أن تبقى قضيته محطة أساسية لمراجعة شيعية عميقة للذات وللمسار السياسي الذي سلكته من بعده. فالصدر لم يكن يريد لطائفته أن تُختطف على أيدي عقائد ومشاريع سلطوية عابرة للحدود، ولا أن تُرهن لمصير أنظمة تقوم على القمع والاستبداد. ففي الوقت الذي يُدان فيه نظام معمر القذافي بوصفه نظامًا مارس القتل والإخفاء والقمع، لطالما تباهت “الممانعة” بتحالفات مع أنظمة استبدادية لا تختلف عنه كثيرًا في بنيتها وأساليبها، من طهران إلى نظام الأسد السابق وسواهما.