Site icon Lebanese Forces Official Website

المانشيت ـ الدولة في مواجهة “اللا دولة”.. من يقرر مصير لبنان؟

في وقت تواصل فيه الشرعية الدفع باتجاه تثبيت منطق الدولة واستعادة قرارها ودورها، يأتي خطاب “الحزب” ليؤكد أن المواجهة الحقيقية لم تعد فقط حول “اتفاق الإطار” أو شكل التفاوض مع إسرائيل، بل حول الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم وتحدد المسار الذي ينبغي للبنان أن يسلكه للخروج من أزمته. وبينما يقول رئيس الجمهورية جوزيف عون إن اللبنانيين تعبوا من الحرب ومن “حالة اللادولة”، يواصل “الحزب” مهاجمة هذا المسار واتهام أصحابه بالتآمر والالتحاق بما يسميه المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي.

عون: لا أحد يملأ مكان الدولة

موقف الرئيس عون جاء واضحاً خلال استقباله قبل ظهر أمس في قصر بعبدا، كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، على رأس وفد يمثل كنيسة الأرمن الكاثوليك، إذ أكد أن “لا غنى عن الدولة التي تحمي الجميع، وليس العكس”، مشدداً على أن “ما من أحد يستطيع أن يملأ مكانها أو يأخذ دورها”.

والأهم في كلام رئيس الجمهورية، وفق مصادر سياسية مقربة من دوائر رسمية، أنه وضع المسألة في إطار سياسي يتجاوز الخلافات الظرفية، عندما تحدث صراحة عن صراع بين “منطق الدولة” و”مفهوم اللادولة”، مؤكداً أن الأغلبية المطلقة من اللبنانيين باتت مع الدولة…

وترى المصادر ذاتها، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا الموقف يكتسب دلالته في ظل المسار الذي يحاول عون تثبيته، بعدما أكد أن الحرب أخّرت إعادة بناء الثقة بين الدولة واللبنانيين وبين لبنان ومحيطه العربي والدولي، وأن الخيارات التي تتخذها المؤسسات يجب أن تحكمها مصلحة الوطن والمواطن، لا مصلحة “الحزب” أو الطائفة أو أي جهة سياسية.

“الحزب” يواصل التهجُّم والتخوين

في المقابل، لم يكتفِ النائب عن “الحزب” إيهاب حمادة برفض اتفاق الإطار، بل ذهب إلى اتهام “السلطة اللبنانية” بالتآمر على شعبها وأهل الجنوب، واعتبر أن محاولة “إنعاش” الاتفاق هي “هباء منثور”، فيما قال إن الأصوات التي ترتفع دفاعاً عنه تفعل ذلك لأنها عجزت عن تحقيق أهدافها وهي، وفق تعبيره، “ملحقة بالمشروع الصهيو ـ أميركي”.

وبمعزل عن الخطاب التعبوي الذي رافق كلام حمادة، تشدد مصادر سياسية مواكبة على أن المضمون السياسي للهجوم يستهدف بوضوح المسار الذي تتبناه الدولة اللبنانية، ويضع أي محاولة للتفاوض من أجل إنهاء الحرب واستعادة الأرض في خانة التآمر. وهو ما يطرح، بحسب المصادر، السؤال عن البديل الذي يقدمه “الحزب” في المقابل، في وقت لا يكفي فيه رفض اتفاق الإطار أو تخوين المفاوضين للإجابة عن كيفية إنهاء الاحتلال ووقف الحرب وإعادة النازحين وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

صراع على القرار لا على اتفاق فقط

وتوضح المصادر السياسية عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن جوهر التباين يتجاوز اتفاق الإطار نفسه، إلى صراع على القرار اللبناني: فالدولة تحاول فتح مسار تفاوضي مستقل يحظى بدعم عربي ودولي، بهدف إنهاء الحرب وحالة العداء والوصول إلى انسحاب إسرائيلي وبسط سلطة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية، فيما يبدو “الحزب” متمسكاً بإبقاء الملف اللبناني مرتبطاً بالتوازنات الإقليمية وبالمسار الأميركي ـ الإيراني، بما يبقي لبنان ورقة قابلة للاستخدام في المفاوضات الأوسع.

وتضيف المصادر، أن نجاح المسار اللبناني يعني عملياً انتقال ملف الحرب والسلم إلى الدولة، وإنهاء الوضع الذي سمح لـ”الحزب” لعقود بامتلاك قرار عسكري يتجاوز المؤسسات الدستورية. كما يعني تطبيق اتفاق الإطار، متى أدى إلى نتائجه المعلنة، انسحاب إسرائيل، وتعزيز سلطة الجيش، وحصرية السلاح، وفتح الطريق أمام استقرار أمني وسياسي دائم. ولذلك، فإن الاعتراض على المسار لا يمكن فصله عن الخشية من نتائجه السياسية الداخلية.

وترى المصادر نفسها، أن إبقاء لبنان مرتبطاً بالمفاوضات الإقليمية، ولا سيما المسار الأميركي ـ الإيراني، يحمل خطراً إضافياً يتمثل في تحويله مرة أخرى إلى ورقة تفاوضية في صراعات لا يملك قرارها، فيما المطلوب أن يكون له مساره ومصالحه وأولوياته المستقلة. فلبنان لا يستطيع انتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات بين طهران وواشنطن ليقرر مصيره، ولا يمكن أن تبقى أرضه وأمنه واستقراره جزءاً من حسابات النفوذ الإيراني في المنطقة.

بالأرقام.. حصيلة أكبر من المعلن

لكن بعيداً من السجال السياسي والشعارات، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة في حصيلة ما دفعه لبنان ثمناً لحروب “الإسناد” التي استجرها “الحزب” على البلد، والتي تكشف الأرقام المتداولة أنها قد تكون أكبر بكثير من المعلن.

ويشير الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني يُنشر عند التاسعة من صباح اليوم الأربعاء، إلى أن وزارة الصحة سجلت سقوط 4.353 قتيلاً منذ 2 آذار الماضي، فيما يضاف إليهم، وفق منهجية اعتمدها شمس الدين لإحصاء المشيَّعين، نحو 2.700 من مقاتلي “الحزب” الذين سقطوا في الميدان ولم يدخلوا المستشفيات ولم يُسحلوا. وبذلك، فإن فجوة الأرقام لا تتعلق بالتفاصيل الإحصائية فقط، بل تكشف أيضاً حجم الكلفة التي دفعتها البلاد في حروب لم تكن الدولة صاحبة القرار فيها.

بالعودة إلى المصادر السياسية، فهي تشدد في الختام على أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يرفع الصوت أعلى، ولا من يعلن “النصر” في الخطابات، بل من يملك القدرة على إخراج لبنان من دورة الحرب: دولة تفاوض باسم جميع اللبنانيين وتستعيد سيادتها وقرارها، أم إبقاء البلد رهينة لمسارات إقليمية تتقرر خارج حدوده؟

Exit mobile version