صحيفة النهار – عبدالوهاب بدرخان
ينبغي الإصغاء إلى ما يقوله مسعود بزشكيان، لأنه الوجه الآخر- الحقيقي- لما يصدر عن مجتبى خامنئي. الرئيس الإيراني ليس مرشحاً للانشقاق عن النظام، لكنه يحاول جاهداً عدم الانفصال عن الواقع، كما يراد له، لئلا يفقد صدقيته تجاه الشعب. أما المرشد فتُظهر بياناته ورسائله الصورة التي يريد “الحرس الثوري” تصديرها إلى الداخل والخارج في آن. كان الرئيس، وهو أبرز أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، أول من بادر للإشارة إلى وجود خلافات وانقسامات على مستوى القيادة في شأن المفاوضات وأهدافها ومصير “مذكرة التفاهم”، وقد فعل ذلك مدفوعاً بالقلق والنتائج المتوقعة لاستمرار الحرب، وجاء تشديد العقوبات الأميركية أخيراً ليعزّز حجّته ومخاوفه. ويكفي أنه يلحّ على العودة إلى التفاوض في إطار “مذكرة التفاهم”، في حين أن طرفي الحرب، خصوصاً “الحرس”، يراكمان العقبات أمام هذه العودة.
وعندما نبّه خامنئي إلى ضرورة إبراز الإيجابيات وتحويل نقاط الخلاف إلى عوامل تماسك، معتبراً أن “إظهار نقاط الضعف يخدم العدو”، إنما كان يتعارض مع بزشكيان. لكن الأخير أقرب إلى نبض الداخل وغضبه، وإلى الصعوبات التي يعانيها المجتمع في أبسط متطلبات العيش، وبالتالي فهو يتحسّب من وضع قد يتفجّر في وجهه، لأن المرشد و”الحرس” و”الباسيج” برهنوا سابقاً وسيبرهنون أنهم لا يحسنون سوى القمع والعنف المفرط، من دون أن تكون لديهم حلول تمدّ الاقتصاد بشيء من الاستقرار.
على مستوى السياسة العليا لا مجال للتراجع حالياً عن المواجهة الدائرة مع الولايات المتحدة، تحديداً في شأن مضيق هرمز وغيره من الملفات، إذ إنها تحقّق نتائج مرضية للقيادة. والدليل أنها تفاقم الارتباك لدى الإدارة الأميركية وتضيّق الخيارات أمامها، حتى إن إيران تعتقد أنها عكست المعادلة، إذ لم تعد طهران، بل واشنطن، هي المُطَالَبة بـ”الاستسلام”. لكن إذا كانت إيران تصنع “نصرها” بإشهار أسلحة الصبر والصمود وسياسة حافة الهاوية، إلى جانب القنابل والصواريخ والمسيّرات والاعتداء المتعمّد على الجوار الخليجي والعربي، فإن تلك المعادلة تجازف بالداخل الإيراني أولاً، وبما تتصوّره لنفوذها الإقليمي ثانياً، كذلك بمكانتها الدولية على المدى الطويل. كان ولا يزال بإمكانها البناء على بقاء النظام لفتح صفحة جديدة لكن وساوسها “الإمبراطورية” تعمي بصرها، أما السيطرة على مضيق هرمز فكانت ولا تزال ممكنة ومتاحة لكن تحويلها إلى “سلطة” للتحكّم بالاقتصادين الإقليمي والعالمي سيفٌ ذو حدّين قد يفيدها فيما يضرّ حتى بحلفائها.
بطبيعة الحال، ينعكس أداء إيران على الميليشيات التابعة لها، لأن عقلية التصعيد من أجل الهيمنة وعقيدة العداء المطلق تدفعان أتباعها إلى نهج انتحاري حيثما وُجدوا. فـ “حزب إيران/ الحزب” في لبنان مستعد لكل ما يمكّنه من التقليل من شأن الدولة والشعب، حتى إن مجرد تلويح واشنطن بفتح “حوار” معه أنعش غطرسته فاعتقد أن “العدو” يبحث عن سبيل للاستسلام عبر التفاوض معه، لكن طهران كما واشنطن ما لبثتا أن خيّبتا آماله، كلٌّ لأسبابها وعلى طريقتها. الأولى لأنها تريده أن يبقى في طاعتها ويعتمد على تفاوضها أو لاتفاوضها مع أميركا. والثانية ذكّرته بثوابت سياستها، فهي تريد نزع سلاحه أولاً وأخيراً، كما أنها تتعامل مع الجهة الشرعية الوحيدة في لبنان، وإذا كانت لديه مطالب وطموحات فما عليه سوى أن “يتحاور” مع الدولة.
