
في 13 نيسان من العام 1975، أطلق مسلّحون النار على بيار الجميّل، الذي كان موجودًا في كنيسة سيدة الخلاص – عين الرمانة، فأصابوا أحد مرافقيه. ومن هنا، بدأت الكارثة التي استمرّت خمسة عشر عامًا. حرب مدمّرة محَت جيلًا كاملًا، وشباب مليئ بالأمل، وبلد كان مليئًا بالحياة.
حرب عُرفت باسم “الحرب اللبنانية”، لكنها، في جوهرها، كانت مواجهة بين أبناء الأرض وأبناء الأجندات الأخرى.
وهكذا بدأت حرب الآخرين على لبنان.
هذا المقال لا يهدف إلى إعادة سرد ما حدث، ولا إلى محاكمة جميع أطراف تلك المرحلة ووضعهم في خانة واحدة. بعد ثلاثين عامًا، بدأت الحقيقة تظهر أمام اللبنانيين، على الرغم من أنّ هناك من لم يتوقف يومًا عن قولها: هذه الحرب لم تكن مجرد صراع بين اللبنانيين على هوية لبنان، بل كانت مواجهة بين طرفين، واحد دافع عن أرضه وشعبه وسيادته، وآخر أولى الحسابات الخارجية على وطنٍ احتضنها، فحوّلت لبنان إلى ساحة لصراعات لا علاقة للبنانيين بها.
ولقطع الطريق على أي جدل: كل طرف يقدّم ولاءه لأجندة خارجية على حساب سيادة لبنان، ويقبل بأن تُستخدم أرضه لضرب أبناء وطنه، يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع مصلحة لبنان وسيادته واستقلال قراره.
المؤكد أنّ رجالًا من “القوات اللبنانية” وحلفائها قاتلوا دفاعًا عن أرضهم وجذورهم وبيوتهم. رجال تركوا منازلهم وعائلاتهم وحياتهم، وحملوا مسؤولية الدفاع عن قضية آمنوا بها. قضية لا تزال حاضرة في قلب كل لبناني سيادي حتى اليوم: الحرية أغلى من الروح.
ولهذه القضية قالوا: نحن أولاد الحرية.
في العام 2026، يتكرر المشهد نفسه، ولكن بصورة مختلفة. لبنان لا يعيش اليوم حربًا لبنانية بالمعنى التقليدي، لكنه لا يزال يعيش صراعًا داخليًا صامتًا: صراع بين من يؤمن بلبنان السيد، الحر، المستقل، صاحب القرار في أرضه، وبين من يربط مصير بلده بأجندات خارجية لا تخدم القضية اللبنانية، بل تستنزف الدولة وتضعف سيادتها منذ عقود.
اليوم، حتى وإن لم تعد الحرب الأهلية قائمة، فإن الجيل الجديد أمام خيار واضح، وله كلمة يجب أن يقولها.
جيل جديد منقسم بين اتجاهين.
الاتجاه الأول مقتنع بأن الموت انتصار، وبأن عليه أن يخدم كل قضية تُطرح في الشرق الأوسط، حتى لو كان ثمن ذلك وطنه ومستقبل عائلته وشبابه. جيل تعرّض لتعبئة فكرية عميقة جعلته يضع مشروعًا سياسيًا وعسكريًا فوق عائلته وحياته ومستقبله، ويُقنع نفسه بأن مقاومة، زائفة وكاذبة، تأتي قبل بناء الدولة وقبل الإنسان اللبناني.
والاتجاه الثاني، وهو الجيل الذي بدأ يفهم أخطاء الماضي، وبات مقتنعًا بأن اللبنانيين لا يريدون أن يعيشوا السيناريوهات نفسها التي دمّرت وطنهم. جيل يؤمن بأن الحرب ليست الحل، وأن الإنسان اللبناني قادر على دعم القضايا الإنسانية والسياسية خارج لبنان من دون أن يحوّل وطنه إلى ساحة حرب. جيل يؤمن بأن حمل الشهادة أهم من حمل السلاح، وأن بناء المستقبل أهم من الموت في حروب الآخرين.
جيل تعلّم من أجداده أن الحرية أغلى من الروح، وأن هناك من دفع حياته ثمنًا لكي تبقى هذه الروح اللبنانية حيّة وحرّة.
أما “القوات اللبنانية”، فقد استطاعت أن تحافظ على هذا الإرث، لا من خلال العيش في الماضي، بل من خلال فهم معنى الدفاع عن لبنان في كل مرحلة. في زمن الحرب، كان الدفاع بالسلاح عندما فُرضت الحرب. وعندما أصبحت السياسة والدبلوماسية هي الوسيلة، انتقلت المواجهة إلى المؤسسات والقرار السياسي والدول، لأن بناء الوطن لا يكون بالفساد، ولا تُبنى الأجيال بالعنف، ولا تُحفظ السيادة بالشعارات.
وهذا الإرث انتقل إلينا، نحن الجيل الجديد. واليوم، يمكن رؤية هذا الجيل من “القوات اللبنانية” يتقدم، إلى جانب من سبقوه، في ميادين مختلفة: في الانتخابات المدرسية والجامعية، في الانتخابات النيابية، في العمل السياسي، في العمل التطوعي، وفي المجتمع.
وهنا تكمن الصورة الحقيقية لشباب “القوات اللبنانية”:
شباب يحملون الأمل بدل اليأس، والعلم بدل السلاح، والعمل بدل الاستسلام، والسيادة بدل التبعية، ولبنان بدل أي أجندة خارجية.
لقد دافع جيل عن لبنان في الحرب.
واليوم، جاء دور جيل جديد ليدافع عنه بالعلم، والسياسة، والدبلوماسية، والعمل، والحضور في المجتمع.
لأن المعركة تغيّرت، لكن القضية لم تتغيّر: لبنان السيد، الحر، المستقل.
ولأن من حملوا السلاح بالأمس دفاعًا عن أرضهم، تركوا لنا اليوم مسؤولية أصعب: أن نحافظ على لبنان من دون أن نسمح بأن تعود أرضه ساحةً لحروب الآخرين.
ماتوا لنحيا. وأجيال سلمت أجيال ليشرق فجر جديد على لبنان… فجر السيادة.