#adsense

هل تخشى إيران إسرائيل أكثر من أميركا؟

حجم الخط

صحيفة النهار – علي حمادة

لافت الخبر الذي نشرته وكالة “رويترز” يوم أمس وجاء فيه: إيران تحذر من شن هجوم واسع النطاق على إسرائيل إذا نفذ الجيش الإسرائيلي عملية في تلة “علي الطاهر” (الاستراتيجية) في جنوب لبنان، حيث يُحاصَر ضباط من الحرس الثوري الإيراني. ونُقلت الرسالة إلى الولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان في شهر آب/أغسطس الفائت.

 

ما يلفت في الخبر أن الرسالة تعود إلى الشهر الماضي، فيما الوكالة أو ربما الإيرانيون سرّبوها إلى الوكالة يوم أمس بعدما تبين لهم أن موقع تلة “علي الطاهر” بدأ في السقوط المتدرج بيد الجيش الإسرائيلي، لا سيما أن صياغة خبر “رويترز” تبرز وجود ضباط من الحرس الثوري الإيراني، ربما في محاولة لمنح التهديد قوة مضافة من خلال الإشارة إلى وجود الضباط الإيرانيين، ما يخرج الملف من حيز المواجهة المباشرة بين إسرائيل و”الحزب” على الأراضي اللبنانية إلى حيز المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران.

 

وبهذا التهديد تحاول إيران إنقاذ المنشأة الاستراتيجية التي بنتها على مدى سنوات طويلة في جنوب لبنان عبر ابتزاز الأميركيين، في وقت تبدو فيه إيران أقرب إلى حالة “الرجل المريض” في المنطقة.

 

لذلك نشك بأن تتمكن طهران من ابتزاز واشنطن وتل أبيب من خلال التهديد بهجوم واسع على إسرائيل. فالقدرات الإيرانية تراجعت كثيراً، والهجوم على إسرائيل في مرحلة الحملات الانتخابية قد يكون هدية ثمينة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يتلقف الهدية ويسارع إلى عملية عسكرية مؤلمة في إيران يضرب فيها بعض “الرؤوس الحامية” في النظام. هذا واقع يدركه النظام الإيراني جيداً، لذلك تجنبوا في الأشهر الماضية التحرش بإسرائيل مباشرة، واكتفوا بضربات متبادلة مع الأميركيين في المنطقة، فضلاً عن استهداف دول الجوار العربي أكثر من مرة.

 

وبالمناسبة، ثمة معلومات متداولة في مواقع المصادر الاستخبارية المفتوحة تتحدث عن تآكل قدرة إيران في الرد على الضربات الأميركية. وحسب تقاطع المعلومات، فإن إيران أطلقت بعد الضربات الأخيرة 13 صاروخاً باليستياً اعترض منها 10 وسقطت 3 من دون أضرار كبيرة. وقد تراجعت الإطلاقات الصاروخية الإيرانية بنسبة تصل إلى 90 في المئة، وتوافرت معلومات عن تدمير أو تعطيل منصات إطلاق بنسبة 70 في المئة. أما القيادة المركزية فقد تحدثت عن تضرر بنية الصناعات الصاروخية والمسيرات والبحرية بنسبة تصل إلى 85 في المئة. ويقدر مخزون الصواريخ بحوالي 1500 صاروخ.

 

بمعنى آخر، إيران لا تزال قادرة على توجيه ضربات مؤذية، لكن قدراتها تراجعت إلى حد بعيد ولم تعد قادرة على ترجمة تهديداتها بتوجيه “رد مدمر” لا على الأميركيين ولا على الإسرائيليين.

 

ما تقدم يمكن أن يضيء على الواقع في لبنان. فـ”الحزب” تراجع عسكرياً إلى حد بعيد. يستطيع أن يلحق أذى بالقوات الإسرائيلية، وأن يطلق صواريخ ومسيرات انقضاضية على الشمال الإسرائيلي وربما أبعد، لكنه فقد الجزء الأكبر والأهم من القوة الصاروخية، والبشرية. يمكن أن يقاتل بأسلوب الكمائن، لكنه غير قادر على شن هجمات كبيرة واسعة منسقة نظراً لشح الموارد والقدرات والإمكانيات المادية. ففي وقت يواصل الجيش الإسرائيلي تدمير أجزاء واسعة من القرى والبلدات القريبة من الحدود المشتركة مع لبنان، ممارساً سياسة الأرض المحروقة لمنع عودة السكان إلى بيوتهم قبل وقت طويل، يتجنب “الحزب” الاشتباك بقوة مع الجيش الإسرائيلي مخافة توسيع نطاق الضربات الانتقامية العنيفة على مناطق واسعة من لبنان، حيث لا يزال للحزب المذكور نفوذ. فالبيئة الحاضنة لـ”الحزب” تضررت كثيراً، وثمن حربي الإسناد الأولى في 2023 والثانية في 2026 كان ولا يزال باهظاً جداً على البيئة الحاضنة للحزب في لبنان.

 

انطلاقاً مما تقدم، لا يزال ديبلوماسيون غربيون في بيروت يرجحون أن تمتنع إيران عن الاصطدام بإسرائيل إذا قررت هذه الأخيرة اجتياح منشأة تلة “علي الطاهر” العسكرية. ولذلك فإن ما سيحول دون حصول اجتياح إسرائيلي للمنشأة سيكون الحسابات الأميركية بالنسبة إلى مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي المباشر الذي يعوّل عليه الرئيس دونالد ترامب كثيراً ليضمه إلى قائمة “إنجازات” ولايته الثانية. فمعاهدة سلام لبنانية – إسرائيلية تبقى بنظر ترامب أكثر أهمية من توسيع نطاق الاحتلال الإسرائيلي ليشمل كامل الجنوب اللبناني. لكن من يعرف ماذا يخبئ نتنياهو من مفاجآت إذا منحه الإيرانيون الذريعة لإطلاق عملية عسكرية واسعة بهدف إسقاط تلة علي الطاهر، بما تحمله من رمزية كبيرة في وعي جمهور “الحزب” وبما تخلفه من أذى على بروباغاندا الحزب!

المصدر:
النهار

خبر عاجل