.jpg)
في المنعطفات التاريخية الكبرى التي يتمايل فيها مصير الأوطان بين البقاء والزوال، تسقط الأقنعة المستعارة عن الوجوه، وتتمايز النخب. هناك ينقسم المشهد بحدة لا تقبل اللبس: زعامات تقليدية تجيد الممالأة، وتتقن العيش في مستنقع التسويات الضيقة لحماية مصالحها الفئوية؛ وفي المقابل، يبرز رجل الدولة القائد، الذي يشق عباب العواصف برؤية ثاقبة وثبات راسخ. من هذه الطينة التاريخية الصلبة، جاء خطاب رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في اليوبيل الخمسيني للمقاومة اللبنانية، ليرسم حداً فاصلاً بين مشروعين: مشروع الدولة الفعلية الحاضنة لأبنائها، ونقيضه الذي يمثله رجالات “الدويلة” المرتهنة لسراب المحاور الخارجية.
لم يكن خطاب سمير جعجع في القداس السنوي لذكرى شهداء المقاومة اللبنانية جردة حساب لخمسين عاماً من النضال والتضحية والاعتقال، بل كان بياناً وجودياً أطلق فيه جعجع مواقف حاسمة، واضعاً الإصبع على الجرح اللبناني النازف. فالقائد التاريخي لا يبيع الأوهام لشعبه في زمن الانكسارات الميدانية، ولا يختبئ وراء خطابات القوة الزائفة التي دمرت لبنان وأسقطت حصونه.
لقد تجلى جعجع في مظهر المقاوم الأبدي في سبيل لبنان الحق، الصامد في وجه رياح الترغيب والترهيب، كأنه يجسد العهد التاريخي في مواجهة الطغاة والوصايات على اختلاف مشاربهم، منادياً بجرأة لا تعرف المواربة: لقد دقت ساعة الحقيقة، وحان وقت تفكيك “الدولة العميقة”.
هذا المفهوم العميق الذي شرّحه جعجع يكشف طبيعة المرض العضوي الذي ينهش جسد الوطن. فالدولة العميقة في لبنان ليست مجرد إدارات مترهلة، بل هي شبكة مصالح ومنافع متجذرة منذ زمن الوصاية السورية وتمددت في ظل الهيمنة الإيرانية. إنها الهيكل الخفي الذي يؤمّن الغطاء السياسي والأمني والقضائي للدويلة وسلاحها المصادر لقرار السلم والحرب.
ومن هنا، كانت المقاربة السيادية لسمير جعجع حاسمة ومبدئية: لا يمكن العبور نحو دولة الشرعية والمؤسسات والعدالة والحق من دون تنظيف هذا الدهليز المظلم، وحل الأجنحة العسكرية والأمنية خارج سلطة القانون كافة، وفي طليعتها أجنحة “الحزب”. فالكلام الذي لا يبدأ من هذه النقطة، هو حفر في سراب، أو كما وصفه جعجع بدقة: “أنتم تفلحون وتحرثون في البحر”.
بينما يصر رجالات الدويلة على “فرفكة اليدين” ومسايرة شعارات “الردع” الكاذبة التي أثبتت الوقائع الميدانية زيفها وفجعت اللبنانيين بخراب عارم، وقف جعجع ليعيد صياغة العقد الوطني على أسس الشراكة والتطمين.
لم يخاطب سمير جعجع بيئته وجمهوره وأنصاره بوعيد “تخزين الغضب” المتفاقم جرّاء هذا الوضع البائس المتمادي، بل خاطب الوجدان اللبناني الجامع، موجّهاً رسائل صريحة وعميقة إلى الإخوة الشيعة وأبناء البقاع وكل المكوّنات اللبنانية، ومؤكداً أن حماية الأرض والحدود هي حصراً في عهدة الجيش اللبناني والدولة القوية.
إنه الفارق الجوهري بين “زعماء” يعتاشون على “فزّاعات الانقسام” ليرهنوا بلدهم للمحاور الخارجية بالنتيجة، وقائد تاريخي يستحضر قوة الحق ليصنع الفجر الآتي من رماد الأزمات.
لقد تلاشت “أوهام القوة” عند الاختبار الحقيقي في الميدان وسقطت الأكذوبة، وبقيت حقيقة واحدة ثابته رسختها معراب: لبنان لا يحيا بأنصاف الحلول ولا بمهادنة الفساد والسلاح. إن خريطة الطريق السيادية التي خطّها سمير جعجع هي دعوة وجودية للمسؤولين لحزم أمرهم والتقاط اللحظة الإنقاذية، فالأوطان لا تبنى بالتذاكي، والتاريخ لا يذكر المناورين والمترددين، بل يُخلّد القادة الشجعان الذين عبروا بشعوبهم نحو ضفة الأمان ونور الخلاص.
