.jpg)
في المشهد السياسي اللبناني المكتظ بالخطابات التقليدية، توقّف المتابعون معمّقًا عند العبارة الجديدة والمحمّلة بالرموز الفلسفية التي أطلقها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، طائفتي هي أمي، ولبنان هو أبي، واللبنانيون جميعًا إخوتي. لم تكن هذه المقولة مجرّد كلمة أدبية عابرة، بل شكّلت صياغة جديدة لمعادلة الهوية والمواطنة في بلدٍ يُقاس فيه السياسيون بميزان الانتماءات الضيقة والولاءات العابرة للحدود.
يقودنا التحليل النفسي لرمزية الأم إلى معنى الوجود والأصل، فالأم في الوعي الإنساني هي الرحم الأول، والملاذ الآمن، والانتماء الفطري غير المشروط. حين يصف جعجع الطائفة المسيحية بـ الأم، فهو يقرّ بواقعية الهوية الوجدانية والتاريخية التي نبت منها. إنها اعتراف بالذاكرة الجماعية التي تشكل الكيان الإنساني قبل إقحامه في زواريب السياسة، مؤكدًا أن التمسك بالهوية الثقافية والدينية ليس تهمة ممكن الخجل بها، بل هي انتمائية طبيعية تمامًا كحب الإنسان لأمه بالفطرة.
على الضفّة المقابلة، يحلّ الأب في الفكر الفلسفي كرمز للقانون، والسلطة، والشرعية، والإطار التنظيمي الذي يحمي الأسرة. وهنا تكمن النقطة المفصليّة، إذا كانت الطائفة تعطي العاطفة والوجود الروحي، فإن الوطن لبنان هو الذي يمنح السيادة، والمواطنة الشرعية. فلا وجود ولا استقرار للأم من دون حماية الأب وسقف شرعيته، كما أن الأب لا يستغني عن الدور التأسيسي للأم.
تتجلى عبقرية هذه الصياغة في محاولتها التوفيق بين مفهومين ظلّا في حالة تصارع تاريخي في لبنان، الانتماء الطائفي والولاء الوطني، فأحيانًا الانتماء الطائفي يأخذ الجماعة الى الولاء لبلدان وأنظمة خارجية وبعيدة.
بدلاً من الشعار التقليدي الذي يدعو إلى إلغاء الطائفية، قدّم جعجع نموذجًا يتسع للبعدين معًا. فالإنسان لا يستطيع المفاضلة بين أمه وأبيه، لا يمكن مسائلة طفل من تحب أكثر، أمك أم أبيك، فكلاهما يكمّل الآخر في بناء الطفل. وكذلك بين الطائفة والوطن فهما مكمّلان لبعضهما، وحاجة لا يمكن الاستغناء عنها. وبالتالي، يرمي هذا الطرح إلى التأكيد على أن التمسك بالحضور المسيحي أو الإسلامي الوجداني لا يتعارض مع سقف الدولة اللبنانية ذات السيادة الكاملة، بل يثبّت لبنان ويغنيه.
وتكتمل هذه البنية بالمكون الثالث للأسرة: اللبنانيون جميعًا إخوتي. وهي القفزة التي تحوّل العلاقة بين أبناء الوطن الواحد من شراكة قائمة على الخوف من الآخر والمحاصصة وتقاسم السلطة إلى أخوة مبنيّة على القرابة الوطنية الصريحة، أي كلنا أهل أيها الإخوة، حيث يتساوى الجميع تحت مظلّة قانون الأب الواحدة، مظلّة لبنان.
جاءت هذه الفكرة الأدبية الرائعة لترسل إشارات سياسية مكثّفة في أكثر من اتجاه: رسالة طمأنة وتأكيد على عدم التنازل عن الخصوصية الكيانيّة والهوية التاريخية للمسيحيين، ورسالة انفتاح تؤكد أن الخيار النهائي والولاء المطلق سيبقى حصرًا للدولة اللبنانية ولسيادتها الرسمية، بعيدًا من أي ارتهانات خارجية. ردّ غير مباشر على اتهامات الانعزالية، عبر تقديم رؤية تعترف بالواقع التعددي للبنان من دون المساس بهيكلية الدولة الجامعة.
في نهاية المطاف، تجسّد مقولة الحكيم، محاولة فكريّة وفلسفية لإعادة تعريف العقد الاجتماعي اللبناني، عقدٌ لا يُلغي الخصوصيات الوجدانية لأبنائه، بل يجمعها تحت سقف دولة القانون والمواطنة، ليظل لبنان الأب الشرعي الوحيد لجميع أبنائه.