#adsense

خاص ـ “المصاري ما بقى إلها قيمة”

حجم الخط

لم يعد الحديث عن الغلاء المعيشي في لبنان مجرّد شكوى عابرة تُطرح في المجالس أو بين الأصدقاء، بل تحوّل إلى هاجس يومي يرافق اللبنانيين في تفاصيل حياتهم كافة. فمنذ سنوات، يعيش المواطن تحت ضغط ارتفاع متواصل في أسعار السلع والخدمات، غير أن المرحلة الحالية باتت تحمل شعوراً مختلفاً، إذ أصبح الكلام المتداول أن المال نفسه فقد قيمته، وأن القدرة الشرائية تراجعت إلى حدّ غير مسبوق.

في المجالس العائلية والاجتماعية، لم يعد السؤال عن حجم الدخل أو مستوى الراتب كما كان في السابق، لأن الفكرة التي باتت مسيطرة هي أن مختلف الشرائح الاجتماعية أصبحت تواجه الصعوبة نفسها. فحتى أصحاب المداخيل المرتفعة لم يعودوا يشعرون بالأمان المالي، بعدما باتت المصاريف الأساسية تلتهم الجزء الأكبر من أي دخل، فيما يجد أصحاب الرواتب المحدودة أنفسهم أمام معادلة أكثر قسوة، حيث لم يعد الراتب قادراً على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في سرعة هذا الارتفاع مقارنة بأي تحسن في المداخيل. فالكلفة اليومية للحياة من غذاء، ومحروقات، وفواتير، وأقساط تعليم، وطبابة، باتت تشكّل عبئاً ثقيلاً على العائلات اللبنانية التي أصبحت مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتخلي عن الكثير من الاحتياجات التي كانت تعتبر من المسلّمات في السابق.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو التحول في نمط تفكير اللبنانيين تجاه المال. فبعدما كان تأمين دخل ثابت يشكّل ضمانة نسبية للاستقرار، بات كثيرون يشعرون بأن الجهد الذي يبذلونه لا يوازي النتائج التي يحصلون عليها. فالموظف الذي يعمل لساعات طويلة، وصاحب المهنة الحرة، وحتى بعض أصحاب الأعمال الصغيرة، جميعهم يواجهون السؤال نفسه: كيف يمكن الحفاظ على مستوى حياة مقبول في ظل هذا الواقع؟

هذا الواقع الاقتصادي لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية، بل يترك آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة. فالكثير من العائلات باتت تعيش تحت ضغط دائم، فيما يبحث الشباب عن فرص خارج لبنان بعدما فقدوا الثقة بإمكانية بناء مستقبل مستقر في ربوعه.

إن استمرار هذا الوضع يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الاقتصاد اللبناني على تحمّل المزيد من الضغوط. فالمواطن الذي صمد أمام الأزمات المتلاحقة لم يعد يحتمل أعباء إضافية، خصوصاً في ظل غياب حلول جذرية تعيد الاعتبار لقيمة العمل والدخل.

الغلاء لم يعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبح أزمة تمسّ جوهر الحياة اليومية، حيث يشعر اللبناني بأن المال الذي بين يديه لم يعد يمنحه الأمان الذي كان يبحث عنه، وأن الحفاظ على مستوى معيشي مقبول بات تحدياً بحد ذاته.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل