Site icon Lebanese Forces Official Website

هل تسحب وزارة التربية رخص مدارس “المهدي” و”المصطفى”؟

صحيفة نداء الوطن – فتات عيّاد

“ولاية الفقيه” تخترق التعليم الرسمي

لطالما شكّل ولاء البيئة الحاضنة لدويلة الحزب موضع تساؤل لدى بقية اللبنانيين: ولاء يبرّر ثقافة الموت، ضد غريزة الحياة، ويُعلي مصالح إيران على مصالح لبنان. ولاء يدفعنا إلى محاولة فهم نشأة هذه البيئة. وهو ما كشفته الحرب الأخيرة، في ثوانٍ، أمام الشاشات اللبنانية في مدارس النزوح: فهناك طلاب في لبنان لم يروا في حياتهم العلم اللبناني، ولا يجيدون رسمه، وهم طبعًا طلاب مدارس “الحزب “.

فمن درس في مدارس لبنانية طائفية قد يكون ولاؤه طائفيًا دينيًا، لكنه لا يكون عقائديًا مواليًا لدولة أخرى على حساب لبنان، على عكس مَن يبدأ، منذ عمر ثلاث سنوات، بتشرّب أفكار أيديولوجية وانتماءات عابرة للحدود اللبنانية في مدارس المهدي والمصطفى التابعة لـ”الحزب “: لبناني يحمل الهوية اللبنانية، وانتماؤه لولاية الفقيه في إيران.

ترعى هذه العملية الممنهجة لتنمية عقول دويلة “الحزب “، وهم بمثابة البذرة التي تنمو وتؤمّن استمرارية دويلته، جمعيتان اثنتان، هما المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، التي تنضوي تحتها مدارس المهدي، ومؤسسة التعليم الديني الإسلامي، التي تنضوي تحتها مدارس المصطفى. مدارس تدرّس الولاء لولاية الفقيه علانية، بالسياسة كما بالدين، وهو ما يضرب الدستور اللبناني، لتنضما إلى جمعية القرض الحسن ضمن فئة جمعيات “الحزب ” التي تجاوزت العلم والخبر، ولم تُسحب رخصتها إلى اليوم.

لكن قبل الوصول إلى رخص الجمعيات، ماذا عن رخص وزارة التربية لهذه المدارس وعدم سحبها إلى اليوم؟ وماذا عن دور المركز التربوي للبحوث والإنماء على مستوى الرقابة على المناهج والتعليم الديني الاختياري كثغرة تستغلها المدارس الطائفية عمومًا، ومدارس “الحزب ” على مستوى أخطر خصوصًا؟

وكيف استمر هذا المشروع العقائدي لعقود تحت أعين الدولة، يصنع ولاء سياسيًا لأطفال لبنانيين، لصالح إيران تحت تراخيص الدولة اللبنانية ورقابتها الغائبة؟ وكيف اخترق أساتذة “الحزب ” المدارس الرسمية وسط تقاعس وزارة التربية، حتى عن ضبط وقائع تحصل في مدارس خاصة أخرى، تمرر تحت ما يعرف بـ”المنهج المنفذ” و”المنهج الخفي”؟

التعليم الخاص على حساب الرسمي: تكريس النّظام الطائفي في لبنان

ربما تذكرون فيديو انتشر العام الماضي، لفتيات في مدرسة في طرابلس، وصفن عيد الميلاد بأنه “للكفار”. وهذا ليس إلا غيضًا من فيض أساليب تعليمية دينية تنتهجها مدارس خاصة كثيرة.

من جهتها، تقرّ مصادر في وزارة التربية، بأن التعليم الديني في المدارس هو “ساحة فوضى تعليمية”، وبأن شكاوى كثيرة ترد للوزارة، عن مدرسين يمارسون قناعاتهم الدينية الخاصة للترويج لجماعاتهم الدينية (حتى في حصص من خارج حصة الدين، لأساتذة مواد علمية أو أدبية) أو حتى لأساتذة دين يروجون لأفكار متطرفة قد تصل للتحريض على أي شخص لا يحمل معتقدهم. وهي تعاليم تضرب السلم الأهلي والعيش المشترك.

ولطالما شكّل القطاع الخاص في لبنان مدخلا للأحزاب الطائفية والجماعات الدينية لتكريس الطائفية في بلد ذي نظام طائفي وأحزاب طائفية.

في السياق، يعلّق أستاذ مادة المواطنة في الجامعة اللبنانية، الدكتور علي خليفة بأن التعليم في لبنان نوع من أنواع الفدرالية الخفيّة، تمامًا كقوانين الأحوال الشخصية، مشيرًا إلى أن فوضى التعليم الديني تصل لمخالفة الدستور اللبناني نفسه، محملا وزارة التربية في تخليها عن صلاحياتها على هذا الصعيد، المسؤولية.

فالمادة 10 من الدستور اللبناني، تنص على أن “التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو يناف الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب. ولا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفاقًا للأنظمة العامة إلى تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية”.

هكذا تم ربط حرية التعليم في الدستور اللبنانيّ، بتوجيهات وزارة التربية، “أما وزارة التربية فلا تصدر تعليمات، أي أنها تخلت عن دورها في هذا المجال، فيما حرية الطوائف بالتعليم لا تعني الفوضى”، يضيف خليفة.

لماذا مدارس “الحزب ” أخطر من غيرها؟

أما المادة 9 من الدستور اللبنانيّ، فتنص على أنّ “حرية الاعتقاد مطلقة، على ألاّ يشكّل ذلك إخلالا بالنظام العام، فيما الولاء السياسي وليس الديني وحسب، في مدارس المهدي والمصطفى، هو للولي الفقيه”، يوضح خليفة.

ولا يمكن مقارنة فوضى التعليم الديني في المدارس الخاصة، بمدارس “الحزب “، فهذه المدارس، وفق خليفة، لا تكتفي بالتعليم الطائفي، بل تنتقل إلى الأدلجة والتعبئة، وصولا إلى ترسيخ عقيدة ولاية الفقيه وبناء انتماء إلى دولة غير لبنانية.

ويصف خليفة في كتابه “أطفال الحزب “، مدارس “الحزب ” بأنها “مواقع للجهاد والتعبئة”، ويتناول الكتاب تنشئة أطفال “يولدون في لبنان ويموتون لأجل إيران”، عبر عملية “غسل الأدمغة”.

وتبدأ عملية التنشئة العقائدية منذ سنّ الثالثة، وتستمر حتى الثامنة عشرة. ويتحدث خليفة عن تلقين الأطفال عقيدة ولاية الفقيه ومفاهيم التطرف والعنف. ويصف كتبًا فيها صور مقاتلين يحملون الأسلحة في كتب التربية الإسلامية المستخدمة في مدارس “الحزب “.

وتعتمد هذه الكتب أيضًا ما يُعرف بـ”التربية بالقدوة”، أي تقديم نماذج إلى الأطفال ليحتذوا بها، أبرزها علي خامنئي وقاسم سليماني. ولا يقتصر مضمون التعليم على الجانب الديني، بل يتضمن مشروعًا سياسيًا متكاملا، فتُشرح ولاية الفقيه باعتبارها “ولاية عامة”، وتُقدَّم الدولة، وفق الفكر السياسي لـ”الحزب “، بوصفها دولة الولي الفقيه، أي دولة الإمام صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه.

نسأله عن حصة لبنان من مناهج “الحزب “، فينوه خليفة إلى أن التصور المبني على أن الحكم لله لا للإنسان، لا يترك مكانًا لفكرة الدولة المدنية أو الجمهورية التي تستمد السلطة فيها شرعيتها من المواطنين.

هكذا يستخلص خليفة أنه لا توجد في هذه الكتب “أي بذرة من بذور الفكر المدني أو التربية الوطنية”. ولا يغيب لبنان ونشيده ورموزه وثقافته عن هذه التنشئة لعشرات آلاف اللبنانيين، بل يحضر في المقابل نشيد “سلام يا مهدي”. ومن هنا، يربط خليفة بين هذه التربية المبكرة والاستعداد اللاحق للقتال والموت، فعقول الأطفال تكون قد خضعت، وفق تعبيره، لـ”غسل كامل”، وغاب عنها الإنتماء اللبناني.

“تأهيل الأساتذة” واختراق المدارس الرسمية

ولا تتبع المؤسسات التربوية المرتبطة بـ”الحزب ” في مضمونها العقائدي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كمرجعية دينية لبنانية، بل تستند كل من مدارس المصطفى والمهدي علانية إلى مفاهيم الثورة الإسلامية الإيرانية و”وثيقة التحول البنيوي” الصادرة عن المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران.

وتتولى دائرة الموارد البشرية في جمعية التعليم الديني الإسلامي، اختيار أساتذة الدين في مدارس “الحزب “. ويؤكد خليفة أن الجمعية تُخضع الأستاذ لامتحان ثم لدورة تأهيلية، للتأكد من استيعابه عقيدة ولاية الفقيه وقدرته على نقلها إلى الأطفال.

ولا تتوقف الخطورة عند مدارس المهدي والمصطفى، إذ يقول خليفة إن بعض هؤلاء المعلمين يُرسلون أيضًا إلى مدارس رسمية، “على عين وزارة التربية”.

وما يحصل عمليًا هو أن “الحزب “، في مناطق نفوذه، ولا سيما في جنوب لبنان، يضغط على إدارات رسمية ويفرض أساتذة تابعين له، يتقاضون رواتبهم من صندوق المدرسة، ويُدرّسون حصص دين تكرّس الانتماء إلى ولاية الفقيه.

المناهج… ورقابة المركز التربوي الغائبة

التعليم الديني بحسب خليفة كله فوضى من المدارس الكاثوليكية إلى البروتيستانت فالمدارس الإسلامية، مميّزا بين فوضى التعليم الديني عمومًا وما يجري في مدارس “الحزب ” خصوصًا، فهي تتجاوز التعليم المذهبي إلى انعدام الانتماء إلى لبنان، عبر مناهج مستوردة تعيد تشكيل انتماء الطفل إلى خارج بلده، وصحيح أن الكتب الأساسية في الرياضيات والعلوم مأخوذة من المنهج اللبناني، لكن المشكلة تكمن في كيفية تنفيذها داخل الصف.

هنا يميّز خليفة بين ثلاثة مستويات من المناهج: المنهج المكتوب، المنهج المنفّذ، والمنهج الخفي.

فالمنهج المكتوب في الرياضيات والعلوم هو المنهج الرسمي، لكن في المنهج المنفّذ قد يعطي أستاذ الحساب مثالا عن شجرتين، أو يستبدله بمثال عن حسينيتين أو بارودتين.

أما أخطر أنواع المناهج، فهو المنهج الخفي، أو Hidden Curriculum، ويظهر عندما يعكس الأستاذ قناعاته وتوجهاته الخاصة أثناء تنفيذ المنهج.

على صعيد مدارس “الحزب ” تحديدًا، يقدّم خليفة مثالا على تغييب الدولة اللبنانية، من بوابة مفهوم “الرعاية”، فقد يربطه المنهج الرسمي في كتاب التربية المدنية بدور الدولة ووزارة الشؤون الاجتماعية، فيما يعيد المعلم في مدارس “الحزب ” تقديمه باعتباره “رعاية الولي الفقيه للمجاهدين”.

 

ويحمّل خليفة المركز التربوي للبحوث والإنماء مسؤولية عدم تنظيم التعليم الديني، “إذ كان بإمكانه أن يضع إطارًا موحدًا للثقافة الدينية، أو يقترح كتابًا للمسيحية وآخر للإسلام، بما يضبط الحد الأدنى من المحتوى الذي يُقدّم إلى التلامذ، لكنه تراجع عن كل المبادرات ولم يقدّم شيئًا، وترك المجال مفتوحًا لكل جهة سياسية أو دينية تمتلك مدارس أو جامعات كي تعلّم ما تشاء. وبذلك لا يعود الخلل مجرد فوضى، بل تقاعسًا رسميًا أتاح استباحة السيادة التربوية والوطنية”.

التربية: صلاحيات من دون تنفيذ

مصادر في وزارة التربية بدورها، توضح بأنه قانونًا، ينصّ مرسوم ترخيص المدارس الخاصة بوضوح على أن تدرّس المدرسة الخاصة المنهج اللبناني، أو أحد المناهج المعتمدة والمعترف بها في لبنان.

أما في ما يخص الكتب المرتبطة بالمنهج اللبناني، فتعتمد إما الكتب الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء، أي كتب الدولة، وإما سلاسل الكتب التي تصدرها بعض دور النشر بعد موافقة المركز التربوي عليها، والتأكد من أن محتواها يتطابق مع مضمون المنهج. ولا يجوز للمدرسة أن تعتمد كتبًا أخرى خارج هذه الآلية.

والتعليم الديني اختياري في لبنان، وجرت العادة أن تقدّم المرجعيات الدينية أساتذة التعليم الديني إلى المدارس الرسمية، بحسب الطائفة المهيمنة في المنطقة.

ويستخدم هؤلاء الأساتذة كتبًا وافقت عليها المرجعية الدينية نفسها، فتحدد دار الفتوى، مثلا، الكتب والموضوعات التي تُدرّس في حصة الدين، وينطبق الأمر نفسه على المرجعيات المسيحية وغيرها…

أما المدارس الخاصة، فتستفيد من الهامش غير المنظم في مادة الدين لتضع محتواها الخاص. لكن في مدارس “الحزب “، فيظهر الجانب الإيراني في التعليم كله. تقول المصادر: أصل المشكلة يبدأ من هذه الثغرة. يدخلون أولا من باب التعليم الديني الاختياري، وهذه واحدة من الثغرات الأساسية.

وتعيد المصادر أصل المشكلة إلى مسؤولية وزارة التربية. فكل مدرسة لديها صاحب ترخيص، سواء كان شخصًا طبيعيًّا أو جمعية أو مؤسسة تتمتع بالشخصية المعنوية.

وإذا كانت المدرسة تابعة لجمعية، فيجب أن تكون الجمعية حاصلة على علم وخبر من وزارة الداخلية، وأن يكون لديها نظام أساسي وأهداف معلنة، وإذا مارست الجمعية نشاطًا يخالف أهدافها، فيُفترض التّدخل.

وتميّز المصادر بين نشر ثقافة دولة معينة، وبين تعزيز انتماء المواطن إلى دولة أخرى. وإذا تبيّن أن المؤسسة تجاوزت الحدود المقبولة، وروّجت لثقافات تناقض المجتمع اللبناني، فعلى وزارة التربية توجيه إنذار إليها، وإلزامها بوقف الممارسات التي تتعارض مع التربية الوطنية السليمة.

أما إذا لم تمتثل المدرسة، فيحق لوزارة التربية طلب إقفال المدرسة أو سحب ترخيصها. كما يحق لها مخاطبة وزارة الداخلية والقول إن الجمعية التي تنضوي تحتها المدرسة في حالة مدارس المهدي والمصطفى (أي المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، وجمعية التعليم الديني الإسلامي) تجاوزت الصلاحيات والأهداف التي مُنحت على أساسها العلم والخبر. وعندها يمكن سحب العلم والخبر وحلّ الجمعية، وهنا قد يفتح باب كبير على مدارس أخرى طائفية أو دينية لا مصلحة لها بالإصلاح على هذا الصعيد، فلكل حزب ومجموعة دينية في لبنان مدارسهم الخاصة.

الحكومة وسلاح الأدلجة

ولعل تحضير “الحزب ” بيئة كاملة للانتماء لولاية الفقيه، يضاهي سلاحه الذي يقوض قيام الدولة اللبنانية خطورة. فهل تتحرك وزارة التربية جديًّا اليوم في حكومة قررت مواجهة سلاح “الحزب” العسكري، وتبقي إلى اليوم على سلاحه العقائدي عبر مدارس تخرج لبنانيين منتمين إلى ولاية الفقيه، فيما دور الدولة اللبنانية حمايتهم من عملية الأدلجة التي يتعرضون لها؟

Exit mobile version