صحيفة الشرق الأوسط – حنا صالح
بعد حصار خانق وقضم متدرج، سقطت تلة «عليّ الطاهر» الاستراتيجية، وفق التوقيت الانتخابي الذي يخدم مصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. منذ البداية كان معلوماً أن مصير أنفاق «عماد4»، لن يختلف عن مصير الأنفاق التي دُمّرت في مجدل زون، والخيام، والقنطرة، ورأس البياضة، وبني حيان، ومحيط قلعة الشقيف… وغيرها. لا؛ بل إن السيطرة الإسرائيلية على مركز قيادي رئيسي تتحصن بداخله قوة «بدر» تُعدُّ ورقة رئيسية بيد قيادة تلمودية ستفعل فعلها في صناديق الاقتراع؛ لأنه بعد إبعاد «الحزب» عن «عليّ الطاهر» باتت الرؤية المباشرة لمستوطنات إصبع الجليل متعذرة، حيث ينعم المستوطنون بالأمان، في حين أنه بالمقابل أُفرغ الجنوب قسراً من أهله، وجُرّف عمرانه وحقوله، واستحال أرضاً محروقة غير قابلة للعيش.
السؤال المطروح بعد السقوط السهل لتلة «عليّ الطاهر»، التي تقطع طريق البقاع إلى الجنوب، هو: أين سيصبح خط التماس مع الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل من ثمن إضافي ستحاول تل أبيب فرضه نتيجة امتناع «الحزب» عن تسليم التلة للجيش اللبناني في سياق تمسكه بالسلاح اللاشرعي، وهو أمر كان سيعزز موقف المفاوض اللبناني، ومعروف أن الزمن لا يخدم مصالح البلد قبل أقل من 50 يوماً على انتخابات الكنيست الإسرائيلي؟
بعد ضمِّ «عليّ الطاهر» إلى «المنطقة الصفراء»، وتوالي تدمير بلدات مسيطَر عليها بالنار، يبدو أن العدو الإسرائيلي يحضّر لمزيدٍ من الاحتلال. بين الأدلة تهديدٌ منسوبٌ إلى القيادة الشمالية: «نأمل ألّا نضطر إلى العمل عسكرياً في عمق لبنان»، والهدف: «منع (الحزب) من استعادة قدرته على تهديد بلدات شمال إسرائيل». ويتزامن ذلك مع مؤشرات عن مضي نتنياهو بعيداً، ليجعل معركته الانتخابية تتزامن مع تقدم عسكري باتجاه سجد وجبل الريحان وإقليم التفاح، وربما شرقاً باتجاه البقاع الغربي الذي يتحكم فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة جبل الشيخ.
إنه منحى خطير، لا يوقفه تحريك مسار المفاوضات المباشرة وتقدم احتمال انعقاد جولة جديدة في منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، فتل أبيب تستفيد من حالة رمادية تغلف أداء السلطة اللبنانية، التي حاصرت نفسها في دائرة مغلقة، حيال معادلة أرساها «الاتفاق الإطاري»: الأرض مقابل السلاح اللاشرعي. هناك تلازم متدرج حتّمته هذه المعادلة لا فكاك منه، فيربط العدو الإسرائيلي أي انسحاب بإجراءات نزع السلاح اللاشرعي. يستند بذلك إلى موقف أميركي يطالب بيروت بشيء ما غير تكرار الخطاب السياسي إياه. ومعروف أن المصلحةَ الوطنيةَ، كما أكدها «اتفاقُ الطائف»، والقراراتِ التاريخيةَ لمجلس الوزراء (5 أغسطس/ آب 2025)، يفترضان نزع السلاح اللاشرعي؛ لأن في ذلك استعادةً للدولة وبداية جدية لمواجهة نكبة الجنوب وتداعيات الهزيمة.
لقد سبق للرئيس جوزيف عون أن أعلن أن لبنان «حُشر بين عدوٍّ لا يحترم قانوناً ولا أعرافاً، وفريقٍ مسلح خارج على الدولة لا يقيم وزناً لمصلحة لبنان وشعبه». هذا الوضوح في الطرح الرئاسي يحتّم مغادرة سياسة الانتظار، والمبادرة إلى وضع القرارات الحكومية التي تحظى بدعم شعبي واسع في التنفيذ، من بينها مثلاً قرار «بيروت آمنة خالية من السلاح»… إلى ضرورة ممارسة السلطة دورَها ومسؤوليتَها حيث تستطيع، لتثبت بذلك أنها المرجعية الوحيدة لكل المواطنين؛ مما سيؤثر على مجمل المشهد.
المعنى هنا بدء تفكيك وإنهاء بنى تحتية لميليشيا «الحزب» مثل «القرض الحسن» وغيرها من بنى مالية واقتصادية، كما سواها من بنى اجتماعية وسياسية تغولت على الدولة، يصفها النائبُ السابق نواف الموسوي؛ أحدُ قادة «الحزب»، بأنها «تعمل في خدمة المقاومة»، ليكون السلاح مصدراً للنفوذ؛ مما يؤكد تكراراً أن هذا «الحزبَ»، منذ نشأته، حالةٌ عسكرية أمنية إيرانية، مرتبطةٌ بمشروع تخريب المنطقة وحماية التمدد الإيراني، ولا مندوحة عن التصدي له.
إن البديل عن مبادرات ملموسة من جانب السلطة، كاستخدام قوة الشرعية في وجه الخارجين على الدولة، كما يصفهم الرئيس عون، يتمثل في استمرار الاحتلال الآخذ في التمدد، كما تشي مؤشرات تتلطى بذرائع من نوع «إنهاء أي احتمال لتهديد مستقبلي (…)»، ويبقى معه، ولو إلى حين، السلاح اللاشرعي والهيمنة الإيرانية. إذّاك؛ ماذا يبقى من مساحة للقرار السيادي مع بقاء البلد في أسر الامتناع عن المبادرة؟
ينبغي التنبه إلى أن لبنان وقع ضحية حرب إسرائيلية – إيرانية، ولا يمكن المفاضلة بين طرفَين آثمَين بحق شعبه انتهكا سيادته. إن كان «الإتفاق الإطاري» الثلاثي بوليصة للبنان لاستعادة أرضه؛ لأنه نص على الانسحاب الإسرائيلي ولو بصيغة إعادة الانتشار إلى خارج الحدود اللبنانية، فإن «مصير الأرض وأولوية تحريرها» رهن نزع السلاح اللاشرعي، وما من حلول أخرى، ولا يملك لبنان ترف الوقت. إن التغاضي عن النهوض بهذه المسؤولية الوطنية يهدد بإعادة الربط مع طهران؛ مما يهدد مكانة لبنان وبقاءه، ويشطب حلم اللبنانيين بقيام الدولة التي تحميهم وتحفظ مصير البلد.
