
لم تكن خسارة تلة علي الطاهر مجرد تراجع عسكري لـ”الحزب”، بل سقوطًا لوظيفة السلاح التي بررت وجوده خارج الدولة. فالتلة لم تصل إلى الجيش ضمن تسوية تحفظ السيادة، بل انتهت تحت السيطرة الإسرائيلية بعدما رفض “الحزب” تسليمها إلى المؤسسة الشرعية ثم أخلاها تحت الضغط. بهذا المعنى، لم تكشف علي الطاهر حدود قوته العسكرية فقط، بل أظهرت أن حلول الدولة مكانه يهدد بنيته أكثر من تقدم إسرائيل؛ لأن الاحتلال يجدّد ذريعة السلاح، فيما ينهي انتشار الجيش وظيفته المستقلة.
كانت الدولة قد طرحت إدخال التلة ضمن مسار يتسلّم فيه الجيش المواقع العسكرية، بما يحولها إلى ورقة قوة في مفاوضات روما. رفض “الحزب” لأن التسليم شمال الليطاني كان سيؤسس لسابقة تمتد إلى مواقع أخرى، ويعني قبولًا عمليًا بأن الدفاع عن الأرض وظيفة الدولة. أما خسارة الموقع أمام إسرائيل فيمكن احتواؤها داخل خطاب المقاومة واستخدامها لتبرير الاحتفاظ بالسلاح. لذلك لم تكن الأولوية حماية التلة بقدر ما كانت حماية المعادلة التي تجعل السلاح شرطًا لبقاء “الحزب” لا أداة لحماية لبنان.
النتيجة خدمت إسرائيل مباشرة. حصل بنيامين نتنياهو، قبل انتخابات 27 تشرين الأول، على إنجاز واضح في موقع ارتبط طويلًا بالبنية الدفاعية لـ”الحزب”، من دون أن يدفع كلفة حرب شاملة أو يتعرض العمق الإسرائيلي لوابل صاروخي كبير. وهذه هي الصيغة الأكثر فائدة له انتخابيًا: توسيع السيطرة، تدمير الأنفاق، وإظهار العجز الإيراني والحزبي، مع إبقاء الخسائر الإسرائيلية محدودة. لذلك لا يحتاج نتنياهو الآن إلى اجتياح بيروت؛ فالتفوق المضبوط يمنحه ما لا تضمنه الحرب الكبرى.
ومن هنا تتضح حقيقة الكلام الإسرائيلي المتناقض. إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس انتهاء مرحلة إحكام “المنطقة الأمنية” لا يعني توقف العمليات، بل انتقالها من احتلال كثيف إلى سيطرة أقل كلفة: الاحتفاظ بالمرتفعات، إعادة الانتشار دفاعيًا، المراقبة الجوية، وضرب أي حركة شمال الخط. أما الحديث عن فتح الطريق إلى بيروت والبقاع فهو تهويل إذا فُهم كقرار لاجتياح بري. لكن موقع علي الطاهر يمنح إسرائيل أفضلية عملياتية في مراقبة محاور النبطية والضغط على خطوط الاتصال مع الريحان وإقليم التفاح، ويتيح لها عزل الجنوب نارياً عن عمقه من دون احتلال المدن.
هذا النموذج يكشف انقلاب ميزان الردع. “الحزب” ما زال يمتلك صواريخ ومقاتلين، لكنه فقد حرية استخدامهم. إذا صمت، ثبّتت إسرائيل مواقعها. وإذا رد بصورة محدودة، واجهته بغارات أعنف في النبطية والعمق. وإذا استخدم ترسانته الثقيلة، منحها شرعية حرب تدميرية لا يستطيع حماية لبنان منها. لم يعد “الحزب” يتحكم بدرجات التصعيد؛ إسرائيل هي التي تحدد مستوى العملية وكلفة الرد وحدودها.
حتى إيران، التي حذرت عبر عُمان من اقتحام التلة، لم تحوّل تهديدها إلى حماية للموقع. وقد يكون امتناعها نتيجة عجز عن الرد، أو ضبط مؤقت مرتبط بتفاوضها مع واشنطن، أو قرار بالحفاظ على ما تبقى من أصولها الإقليمية وعدم إحراقها في معركة خاسرة. أيًا يكن السبب، فالنتيجة واحدة بالنسبة إلى لبنان: المظلة الإيرانية لم تمنع سقوط التلة. كما أن الحوثيين والميليشيات العراقية لم يغيروا مسار الخنق الأميركي. تحولت “وحدة الساحات” من شبكة ردع إلى أذرع محاصرة، يؤدي استخدامها إلى استنزافها أكثر مما يؤدي إلى إنقاذ مركزها الإيراني.
في المقابل، لم تكن الدولة اللبنانية على مستوى اللحظة. أعلنت جاهزية الجيش لتسلّم التلة، لكنها لم تحوّل الجاهزية إلى قرار سيادي معلن وخطة انتشار وضغط سياسي ودولي. تصرفت السلطة كوسيط يسترضي “الحزب”، لا كصاحبة الأرض. والجيش، مع إدراك خطورة دفعه إلى صدام داخلي أو مواجهة مكشوفة مع إسرائيل، بقي في موقع المنتظر. لم يكن المطلوب فتح معركة مع “الحزب”، بل جعل رفض التسليم خروجًا على قرار شرعي، لا خلافًا قابلًا للتفاوض بلا نهاية.
هكذا دخل لبنان مفاوضات روما بمعادلة مختلة: الدولة تملك شرعية التوقيع، والحزب يملك قرار السلاح، وإسرائيل تملك الأرض والنار، وإيران تؤثر في توقيت التصعيد. لذلك تفاوض بيروت على انسحاب لا تستطيع تأمين شرطه، وتطالب باستعادة أرض لم تمنع انتقالها من تنظيم لبناني إلى جيش أجنبي.
المفارقة أن السلاح، بعد فقدانه القدرة على ردع إسرائيل، احتفظ بقدرته على ردع الدولة. لم يحمِ الموقع من الاحتلال، لكنه منع الجيش من تسلّمه؛ لم يفرض شروطه على الخارج، لكنه بقي قادرًا على تعطيل القرار في الداخل. وهنا يتغير معنى القوة: من أداة يفترض أن تحمي الحدود إلى حق نقض مسلح يعمل داخلها.
علي الطاهر ليست نهاية “الحزب”، لكنها نهاية الوهم الذي فصل امتلاك القوة عن نتائجها. السلاح الذي منع الدولة من دخول الأرض ثم عجز عن منع إسرائيل من احتلالها لم يعد مشروع تحرير. لقد أصبح حارسًا لضرورته الخاصة: يخسر الأرض كي يبقى مبرره، ويستدعي الاحتلال ثم يستند إليه لإدامة وجوده. أما الدولة فلا تبدأ يوم تستعيد آخر تلة، بل يوم لا تعود بحاجة إلى إذن حزب كي يدخل جيشها إلى أرض لبنانية.