#adsense

من “أم شربل” إلى “أم علي”: دمعة تُحرّر دمعة

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – طوني عطية

 

تبقى العلاقة بين الشهيد وأمّه من أعمق تجلّيات الحبّ في التجربة الإنسانية، وأكثرها وقعًا وتأثيرًا. فالأم تحمل ولدها في أحشائها، وتدفع ثمن الحياة مخاضًا وألمًا، فيما يتحوّل الشهيد على نحو رمزي إلى “أمّ” يحمل أوجاع مجتمعه ووطنه، ويحتمل مخاض قضاياه حتى تبلغ ذروة البذل في الشهادة. كلاهما يمنح من ذاته كي يحيا الآخرون. الأم تهب الحياة، والشهيد يهب حياته.

 

وفي شهر أيلول، تستعيد الأحزاب والقوى اللبنانية- المسيحية ذكرى شهدائها، من معراب إلى إيليج وبكفيا والأشرفية وطبرية وغيرها. وتخصيص زمن لاستذكارهم لا يعني اختزال حضورهم فيه، فكما تحدد الأديان على سبيل المثال أزمنة أو أشهر للصيام والصلاة من دون أن تحصر الإيمان فيها، كذلك تصبح مناسبات الشهداء محطات تستعيد فيها الذاكرة ما تُشَتته الأيام أو تبدّده.

 

ولعلّ أكثر ما يلفت في قدّاسات “المقاومة اللبنانية” ليس حضور الأمهات فحسب، بل حضورهنّ كما هنّ، بلا أقنعة ولا أدوار مصطنعة. أمهات أولا وأخيرًا، يحملن وجعهنّ ودموعهنّ وذاكرتهنّ، من دون أن تُنتزع منهنّ إنسانيتهنّ تحت وطأة الأيديولوجيا والتعبئة النفسية والحزبية.

 

لم تكن الأم مطالبة بأن تتنازل عن حزنها، أو تخفي دمعتها خلف خطاب يريد منها أن ترى في فقدان ابنها انتصارًا كاملا لا مكان فيه للسؤال أو لانكسار القلب. بقي الابن ابنًا، والأم أمًّا، وبقي الموت، مهما أُلبس من معانٍ وطنية أو سياسية أو روحية، خسارة لا يمكن تعويضها.

 

وهنا تحديدًا يظهر الفارق مع ثقافة خطيرة كرّسها “الحزب” شأنه شأن سائر الأحزاب الأيديولوجية على امتداد عقود، حين جعل من الشهادة جزءًا من منظومة فكرية وعقائدية لا تكتفي بمنح الموت معنى غيبيًّا ساميًا، بل تسعى إلى امتلاكه وإفراغه من بعده الإنساني. في تلك المنظومة، يُراد من الأم أن تكون صلبة دائمًا أمام الكاميرا، أن تزغرد فوق جرحها، وأن تعلن استعدادها لتقديم ابن آخر، وأن تحوّل فاجعتها الخاصة إلى مادة تعبوية  لشدّ عصب الجماعة والتحكّم بها، حتى في أصدق مشاعرها.

 

وليس الاعتراض هنا على أمّ تؤمن بقضية ابنها، أو تفخر بتضحيته. هذا حقّها الإنساني والأمومي والسياسي. إنما تبدأ المشكلة حين يصبح للفقد قالب جاهز يدرّس عقائديًّا، وللألم لغة ينبغي الالتزام بها، وحين تتسلّل الأيديولوجيا إلى أكثر المساحات رقةً وعطفًا وإحساسًا في الإنسان، إلى قلب الأم نفسه.

 

الأم، في طبيعتها، تفرح وتحزن، ترضى وترفض، تهدأ وتغضب، تصبر وتنتفض. تتشبث بابنها حتى بعد غيابه، وتفخر به وتؤمن بخياراته، فيما تتمنى، في أعماقها، لو أنه بقي إلى جانبها. وهذه التناقضات ليست ضعفًا، بل هي جوهر الأمومة، التي وُجدت لتلد الحياة بكل أبعادها.

 

أما حين تُنتزع من الأم هذه التلقائية، فتتجاوز المسألة الدعاية السياسية وضرورات المواجهة الحربية أو العسكرية إلى محاولة إعادة تشكيل الطبيعة البشرية نفسها. فـ”الحزب” الذي يخاف من دمعة أمّ تخرج إلى العلن بعفويتها وصدقها، لأنه يخشى أن يُقرأ هذا الفعل الأمومي الطبيعي بوصفه ضعفًا، إنما يكشف عن عقيدة تخاف من الإنسان نفسه، ومن كل شعور لا تستطيع ضبطه أو إخضاعه لقواعدها.

 

ولهذا، في بكاء أمهات شهداء المقاومة اللبنانية وحزنهنّ شيء من أحزان الأمهات جميعًا. كأنّ دموع “أم شربل” و”أم زخيا” و”أم دمتري” و”أم هاروت” تنوب عن دموع “أم حسن” و”أم علي” و”أم مصطفى”… وعن كل أمّ فقدت ابنًا ثم طُلب منها أن تكتم دمعتها، أو أن تستبدل حزنها بصورة أخرى لا تشبه قلبها.

 

هكذا تصبح دموع أمهات “المقاومة اللبنانية” عزاءً لثكالى “الممانعة” الصامتات. كل دمعة تسقط هنا تُحرّر دمعة حُبست طويلا هناك، وتعيد إلى الأم حقّها البسيط والعظيم في آن: أن تفخر بابنها الشهيد، وأن تبكيه.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل