.jpg)
يشهد الجنوب حالة متصاعدة من الاعتراض والغضب على “الحزب المحظور”، في مشهد لم يعد ممكناً التعامل معه باعتباره مجرد تململ عابر أو أصوات معارضة معزولة. فما حصل في النبطية خلال الأيام الماضية أظهر بوضوح أن المزاج الشعبي بدأ يتغير، وأن شريحة متزايدة من الأهالي لم تعد ترى في سلاح “الحزب” مصدر حماية، بل باتت تطالب بعودة الدولة ومؤسساتها الشرعية لتولي مسؤولية الأمن وحماية الناس.
سنوات طويلة قُدّم خلالها السلاح على أنه ضمانة للجنوب وأهله، لكن النتيجة التي يراها المواطن اليوم أمام عينيه مختلفة تماماً: قرى مدمرة، منازل مهدمة، عائلات مهجّرة، خسائر بشرية واقتصادية هائلة، ومساحات من الجنوب تحولت إلى ساحات مفتوحة للحروب والمواجهات والسلب. ومع كل جولة تصعيد، يدفع المواطن الجنوبي الفاتورة فيما تبقى الشعارات ذاتها عاجزة عن إعادة منزل أو إعادة نازح أو تأمين مستقبل لعائلة فقدت كل شيء.
من هنا، لا يمكن فصل المشهد الذي برز في النبطية عن تراكم طويل من الخيبة والغضب. فحين يطالب الأهالي بحضور الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة، فإن الرسالة تتجاوز الإجراءات الأمنية اليومية إلى سؤال أكبر: من يحمي الجنوب فعلياً؟ وهل يستطيع لبنان الاستمرار في معادلة أمنية تجعل قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية؟
الأكثر دلالة أن هذا التحول يحصل داخل بيئة لطالما اعتُبرت الحاضنة الأساسية لـ”الحزب”. وهذه البيئة نفسها بات جزء منها يسأل اليوم عن جدوى الاستمرار في منطق السلاح بعدما عانى التهجير والخسائر والدمار المتكرر. صورة “الحزب” كقوة تحمي الناس تتعرض لاختبار قاسٍ، في مقابل ارتفاع الأصوات المطالبة بأن يكون الجيش هو المرجعية الأمنية الوحيدة، وأن تكون الدولة هي المظلة التي يلجأ إليها المواطن.
فالناس الذين عاشوا الحرب لا يريدون حرباً جديدة، والذين فقدوا بيوتهم لا يريدون شعارات إضافية، والذين نزحوا مراراً يريدون ضمانة تمنع تكرار المأساة، والضمانة الوحيدة هي الدولة الشرعية لا الدويلة.
رسالة النبطية اليوم تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: حماية الناس لا تكون عبر المزيد من السلاح والمواجهات، بل عبر دولة حاضرة، وجيش قادر، وقرار وطني واحد يعيد للجنوب أمنه ولأهله حقهم في الحياة والاستقرار.
