
لا تريد النبطية أن تلقى مصير بنت جبيل أو الخيام، ولا أن تدفع مجدداً ثمن حسابات “الممانعة” وشعاراتها. فالتجارب الأخيرة، ولا سيما ما جرى في “علي الطاهر”، رسّخت لدى أهلها قناعة في “لبنان اليوم” بأن مظلة الدولة ومؤسساتها تبقى الضمانة الأكثر أماناً. والمفارقة أن “الحزب”، الذي استخدم البيئة الشعبية لسنوات في مواجهة “اليونيفيل” وعرقلة تمدّد سلطة الدولة، بات اليوم أمام مشهد معاكس: مجتمع يطالب بحضور الجيش اللبناني، ويتمسّك بالدولة ومؤسساتها، ويرفض استمرار منطق السلاح و”الدويلة”.
في هذا السياق، أشار مصدر رسمي لـ”نداء الوطن” إلى أنه بات بالإمكان القول إن النبطية وجوارها أصبحتا في عهدة الشرعية. فالجيش، الذي كان موجودًا أصلا، كثّف انتشاره وعزّز سيطرته على الأرض، في وقت يشكّل اجتماع بعبدا الأمني الأخير دليلًا على توجّه رئاسة الجمهورية إلى تعزيز سلطة الدولة وحماية النبطية، ولا سيما أن الوضع الأمني بات يهدّد الأهالي، ليس بفعل الاعتداءات الإسرائيلية فحسب، بل أيضًا نتيجة الفلتان الداخلي.
وأوضح المصدر أن تعزيز هذا الانتشار يوجّه رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الدولة حازمة في بسط سلطتها وحماية مواطنيها. فعندما يحضر الجيش، تصبح إسرائيل في مواجهة الدولة اللبنانية لا الميليشيات، ما يسحب منها إحدى أبرز ذرائع توسيع عملياتها واحتلالها.
ويأتي هذا التحرك العاجل على وقع رسالة إسرائيلية حملها، بحسب معلومات “نداء الوطن”، السفير الأميركي ميشال عيسى إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال لقائهما في بعبدا في 4 أيلول، ومفادها أن سقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو تسليم سلاح “الحزب”، وأن إسرائيل ستصعّد ما لم يتحقق ذلك.
وتشير المعطيات إلى أن الرئيس عون شدّد خلال الاجتماع الأمني على ضرورة منع أي فراغ أمني قد يشكّل ذريعة لاعتداءات إسرائيلية، وربط تعزيز حضور الجيش والقوى الأمنية بالتزامات الدولة وموقعها التفاوضي. وخلص الاجتماع إلى تكثيف الدوريات والحواجز، وتعزيز حماية السكان والممتلكات في القرى غير المحتلة، بما يرسّخ حضور الدولة ويعزّز ثقة الأهالي بها.
بالتوازي، علمت “نداء الوطن” أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يقود اتصالات مع “الحزب” لسحب المقاتلين من بين الأحياء السكنية والمدنيين، وإفساح المجال أمام انتشار هادئ للجيش اللبناني، بعدما تصاعدت النقمة داخل البيئة الشيعية على استخدام “الحزب” و”الحرس الثوري” المدنيين دروعًا بشرية، بما يعرّضها لمزيد من الضربات والتوغل الإسرائيلي. وتندرج اتصالات بري أيضًا في إطار محاولة احتواء هذه النقمة، التي انعكست في بعض المناطق توترات واشتباكات بين عناصر من “الحزب” وحركة “أمل”، من الجنوب وصولًا إلى الضاحية الجنوبية.
أما بحسب “الجمهورية”، المشهد السياسي الداخلي مقبل الأسبوع المقبل على اهتزاز أكيد، مع إنزال الحكومة إلى الحلبة، في جلسة مناقشة عامة لسياستها وأدائها، تُعقد على مدى يومَي الثلاثاء والأربعاء المقبلَين. وسبق ذلك، حراك غاضب للعسكريّين المتقاعدين في البقاع وبيروت الذي زامن بالأمس، استئناف الحكومة دراسة مشروع قانون موازنة العام 2027، الذي لا يبدو أنّ طريقه خالٍ من العقبات والتعقيدات، وجّه إنذاراً بتصعيد أكبر للتحركات والاحتجاجات، ما لم يتمّ إنصافهم وإعطاؤهم حقوقهم.
