#adsense

خاص ـ سمير جعجع.. الرجل الذي هزم النهايات (المحامي ميشال فلاّح)

حجم الخط

هناك سياسيون تنتهي صلاحيتهم بانتهاء الحرب، وآخرون تنتهي أدوارهم بسقوط النظام الذي صنع نفوذهم. وهناك، في الحالة اللبنانية الغريبة، رجلٌ حاولت الحرب أن تصنع منه قائدًا، وحاولت التسوية أن تضعه خارج اللعبة، وحاول السجن أن يدفن مشروعه، ثم خرج من كل ذلك ليجد نفسه، بعد أكثر من ثلاثة عقود، واقفًا في قلب المشهد من جديد.

ذلك الرجل هو سمير جعجع.

ولعلّ المشكلة الحقيقية مع جعجع ليست أنه لم يتغيّر، بل أنه تغيّر في الاتجاه الذي لم يكن خصومه يريدونه. بدأ الرجل طبيبًا وانتهى قائدًا عسكريًا خلال الحرب اللبنانية. ترك دراسة الطب في العام 1978 وتفرغ للعمل السياسي والعسكري، ثم صعد داخل “القوات اللبنانية” حتى أصبح قائدها الفعلي في النصف الثاني من الثمانينيات.

وهنا تبدأ القصة التي لا يحب كثيرون روايتها كاملة. جعجع ليس شخصية يمكن تلميعها بإخفاء ماضيها العسكري، كما أنه ليس منصفًا اختصارها في ذلك الماضي. فقد كان جزءًا من الحرب، نعم، لكنه كان أيضًا من القادة الذين قبلوا اتفاق الطائف، وحلّوا الجناح العسكري للقوات وسلّموا أسلحتها، فيما دخل لبنان مرحلة ما بعد الحرب وسط واقع إقليمي لم يكن مستقلًا تمامًا عن القرار السوري.

ثم جاء الثمن. في 21 نيسان من العام 1994 اعتُقل جعجع، وبعد محاكمات وأحكام مرتبطة بملفات تعود إلى الحرب، أمضى نحو 11 عامًا وثلاثة أشهر في السجن. رواية خصومه تقول إنه حوسب على تجاوزات خطيرة، ووقائع القوات تقول إن الاعتقال كان سياسيًا وأن السلطة السورية اللبنانية آنذاك أرادت إسكات الرجل الذي رفض الخضوع للوصاية.

لكن المفارقة التي تستحق التأمل ليست في السجن وحده. إنما في أن السجن لم ينجح في القضاء عليه. ففي 26 تموز من العام 2005، وبعد الانسحاب السوري وانتفاضة الاستقلال، خرج جعجع إلى الحرية بموجب قانون عفو أقره مجلس النواب. كان قد أمضى 4114 يومًا خلف القضبان.

عاد الرجل، لا كأثر من آثار الماضي، بل كفاعل سياسي كامل. وهنا تحديدًا يبدأ الجزء الأكثر إثارة في حكايته. ماذا يفعل رجل خرج من أحد أطول الاعتقالات السياسية في تاريخ لبنان عندما يجد نفسه مجددًا أمام صندوق الاقتراع، والبرلمان، والحكومة، والتحالفات، والخصومات؟

لم يطلب من اللبنانيين أن ينسوا الحرب. ولم يستطع خصومه أن يجعلوا اللبنانيين ينسوا السجن. اختار أن يبني من الاثنين شرعيته السياسية الجديدة.

منذ العام 2005، أصبح جعجع أحد أبرز وجوه المعسكر السيادي والمعارض للنفوذ السوري، ثم أحد أكثر الأصوات تشددًا في مواجهة سلاح “الحزب” وفي الدفاع عن فكرة حصر القرار العسكري بالدولة. وقد شارك في محطات الحوار الوطني واتفاق الدوحة، وخاض الانتخابات والتحالفات، بل وتحالف في مرحلة مفصلية مع خصمه التاريخي ميشال عون. قبل أن تعود علاقة الطرفين إلى الإرباك القديم ـ الجديد.

وهذه ربما هي أكثر صفاته إثارة للجدل، هو لا يبدو مستعدًا للاعتذار عن خطه السياسي كي يصبح مقبولًا لدى خصومه.

قد تختلف معه في الحرب. قد تختلف معه في السياسة. قد تختلف معه في تحالفاته. وقد ترى في بعض مواقفه تصلبًا لا ضرورة له. لكن يصعب إنكار شيء واحد، جعجع بقي موجودًا، بثبات غير مسبوق.

خرج من الحرب، ومن حلّ حزبه، ومن السجن، ومن سنوات العزلة، ومن الانقلابات السياسية، ومن تبدّل التحالفات، ليعود لاعبًا لا يمكن تجاوزه. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا من كل الأسئلة الأخرى:

إذا كان جعجع، كما يقول خصومه، مجرد رجل من الماضي، فلماذا ما زال حاضرًا، لا بل فاعلًا في مستقبل لبنان؟

ربما لأن الرجل فهم باكرًا أن السياسة اللبنانية لا تكافئ دائمًا الأكثر اعتدالاً أو رماديًا، بل كثيرًا ما تكافئ الأكثر قدرة على البقاء. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جعجع بطريقة مختلفة تمامًا، ليس بوصفه رجلاً لم يخطئ، ولا قديسًا سياسيًا، بل بوصفه واحدًا من أكثر السياسيين اللبنانيين قدرة على تحويل الواقع إلى موقع، والسجن إلى ذاكرة سياسية، والخصومة إلى مشروع، والزمن نفسه إلى حليف.

ولهذا، قد لا يحبّه خصومه. لكن عليهم، شئنا أم أبينا، أن يحسبوا له ألف حساب. وهذه، في السياسة، ليست مبايعةً للرجل بقدر ما هي اعترافٌ بقوته. وربما هنا تكمن المفارقة الأخيرة:

“كان المطلوب أن يخرج من التاريخ، فخرج من السجن، ودخل التاريخ السياسي للبنان من جديد”.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل