صحيفة النهار – نبيل بومنصف
بلغ منسوب الخطورة على المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل حداً مرتفعاً وغير مسبوق منذ التوصل إلى الاتفاق الإطار بينهما في 26 حزيران/يونيو الماضي، بما من شأنه أن يضع العراب والراعي والوسيط الوحيد، أي الجانب الأميركي أمام مسؤولية حاسمة قد لا يعود الوقت لاحقاً يسمح باستدراكها.
والحال أنه بمعزل تماماً عن أي مقاربة من شأنها أن تخدم سرديات “الحزب” ومن خلفه إيران في الدفع نحو تقويض المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي، رفعت الأيام التصعيدية الأخيرة في جنوب لبنان، والشديدة الاحتدام، المخاوف إلى ذروتها من انفلات كل الضوابط أمام الضربات والغارات وعمليات النسف والتجريف الإسرائيلية، بعدما ارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين، حتى لو كان “الحزب” يتخذهم درعاً بشرية على نحو لا يغتفر، إلى سقوف لا يمكن تجاهل خطورتها.
أمام هذه المعصرة الدموية التي حاصرت مناطق واسعة من النبطية خصوصاً وسواها من المناطق الحدودية الجنوبية، ارتسمت علائم الاهتزاز الأخطر إطلاقاً لواقع لبنان المفاوض في جوهر خياره التفاوضي إياه. فهو حوصر حصاراً خانقاً بين الهجمة الإسرائيلية غداة السيطرة العملياتية الإسرائيلية على تلال علي الطاهر وانفلات الهجمات الجوية مقترنة بإعصار تدمير وجرف الكثير من البلدات الإضافية، وبين إمعان “الحزب” بلا هوادة في التسبب بمزيد من الأكلاف البشرية والتدميرية عبر عمليات إطلاق المسيرات التي لا تقدم ولا تؤخر شيئاً في حجب تراجعاته وعبثية عملياته المحدودة بعد هزيمته الجديدة في علي الطاهر.
لم يكن أدل على بلوغ الخيار التفاوضي للسلطة اللبنانية نقطة موغلة في الخطورة، من دأب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون على إعلان عدم التراجع عن الخيار التفاوضي، فيما كان التصعيد الميداني جنوباً والعنف المتدحرج يبلغان مستويات وسقوفاً تنذر بحرب موسعة مجدداً.
كما أن خروج قيادة الجيش في الساعات الأخيرة عن تحفظها في إعلان صريح واضح لا لبس فيه بالتزام الجيش تنفيذ مندرجات الاتفاق الإطار، واضعة حداً للتشكيك في التزام الجيش تنفيذ توجهات السلطة السياسية الدستورية التنفيذية، بدا بمثابة تطور دراماتيكي فعلاً لحشر إسرائيل في تبعات الإفراط في العنف الذي وصم هجماتها في الأيام الأخيرة بما يخدم ضمناً أهداف “الحزب” وإيران، في خانة خلفية، في تقويض المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي.
وللمرة الأولى، تعمد الجيش اللبناني الكشف عن قائمة مفصلة بكل الإجراءات التي قام بها مع كمية ونوعية الأسلحة التي صادرها في المناطق التجريبية الأولى التي نفذ فيها الاتفاق الإطار كما نص عليه لجهة المناطق التجريبية.
يستفاد في خلاصات الأيام المتفجرة الأخيرة التي شهدها الجنوب وما رافقها من تحركات ومواقف للبنان، عبر رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والجيش، أن لبنان تجاوز الخطر الأكبر الذي أحدق بخياره التفاوضي أمام حصار كماشة الحرب، على ضفتيها إسرائيل و”الحزب “، غير أنه تجاوز هش بالكاد يقوى على الصمود طويلاً في حال تجدد أو اتساع الدوامة العنفية في الجنوب إلى حدود التهديد بحرب متجددة، محدودة أكانت أم موسعة.
لذا ليس من المغالاة أن تجمعت كل خيوط التأزم والخطورة عند الوسيط والحكم الأميركي، وبما لا يحتمل انتظار ترف الوقت الطويل. فالدوامة هذه، سواء لعبت الانتخابات الإسرائيلية دوراً خلفياً أساسياً في انسدادها، أم أمعنت إيران عبر ذراعها في لبنان “الحزب” في توظيف الساحة اللبنانية لمآربها المكشوفة، تهدد صمود الخيار التفاوضي الذي لن يقوى طويلاً أمام موجات ميدانية متفجرة لن يعود لبنان قادراً على احتواء تداعياتها. أميركا وحدها تملك القدرة على منع هذا الانهيار الوشيك قبل فقدانها إنجازاً تاريخياً، والأيام المقبلة ستكون محكاً حاسماً.
