
لقد شكّلت الكنيسة اللبنانيّة، وبالتحديد المارونيّة، على مرّ العصور، الرافد الأساسي للحفاظ على الوجود المسيحي الحرّ في لبنان والشرق الأوسط. ولعلّ أبرز المراحل التي عاصرناها كانت مرحلة الجبهة اللبنانيّة في سبعينيّات القرن الماضي، عندما شكّلت الداعم الفكري والرافعة السياسيّة للأحزاب المسيحيّة التي تحوّلت كلّها إلى حركة مقاومة مسيحيّة عُرفت بـ”القوّات اللبنانيّة” مع الشيخ بشير الجميّل.
لقد كان الأباتي بولس نعمان من أبرز وجوه الجبهة اللبنانيّة، حيث كانت تربطه بفخامة الرئيس الشهيد علاقة سياسيّة فكريّة واضحة ومهمّة، لا تختصر بالتبعيّة، بل كانت علاقة عمادها ثالوث الإنسان والأرض والحرّيّة. حيث نجح الأباتي نعمان بترسيخ هذا المفهوم السياسي الذي أصبح، في المرحلة التي عاصرها، فلسفةً سياسيّةً رسّخت هذا المفهوم السياسي الذي أصبح، فلسفةً لبنانيّةً مقاوماتيّةً في الدفاع عن الكيانيّة اللبنانيّة يوم سقطت الدولة في المحظور.
وبحسب ما ورد من معلومات في الجزء الأوّل من كتاب مذكّرات الأباتي بولس نعمان بعنوان: “الإنسان، الوطن، الحرّيّة”، الصادر بطبعته الأولى في آذار من العام 2009 عن دار سائر المشرق، من إعداد أنطوان سعد؛ في أواخر كانون الأوّل من العام 1975، وفي معرض ردّ “لجنة البحوث اللبنانيّة” على ما عُرف آنذاك بـ”مشروع الحلّ السوري”، برز بوضوح لدى الأباتي بولس نعمان انتقالٌ في التفكير من مجرّد المطالبة بإصلاح النظام القائم إلى طرح الفيدراليّة كخيارٍ دستوريّ وسياسيّ قابل للبحث.
فبعد أن اعتبرت اللجنة أنّ انتخاب رئيس الحكومة من البرلمان، إلى جانب المناصفة وإلغاء الطائفيّة الوظيفيّة، قد يقود إلى تغيير جوهريّ في بنية الدولة، رأت أنّ هذه الصيغة قد تتجاوز عمليًّا مجرّد تعديل النظام اللبناني نحو قيام اتّحاد كونفدراليّ بين دولتين، بما يعني أنّ البلاد باتت أمام سؤال يتعلّق بطبيعة الكيان نفسه، لا بمجرّد إصلاح مؤسّساته.
ومن هنا جاء طرح نعمان بأنّه إذا كان الاتّجاه الفعلي هو نحو كيانين متّحدين كونفدراليًّا، فالأجدى أن يُفتح الأمر أمام بحث علميّ وصريح في النظام الفيدرالي، بما يجعل الفيدراليّة، في هذا السياق، فكرةً سياسيّةً مطروحةً للنقاش منذ أواخر العام 1975، لا مجرّد ردّ فعل لاحق على تطوّرات الحرب.
من الفكر إلى بشير: الرهبنة تلتقي بالقوة الميدانيّة
في اجتماع للجبهة اللبنانيّة، طرح نعمان بوضوح أن يتمّ اختيار بشير الجميّل مرشّحًا للرئاسة، وقال أمام بيار الجميّل وكميل شمعون وغيرهما إنّ الوصول إلى الرئاسة لا يمكن أن يتمّ من دون مواجهة مسألة بشير، وإنّ الأخير أصبح القوّة المسيحيّة الميدانيّة التي يصعب تجاوزها. ولقد ثبّت هذا الموقف أنّ الأباتي بولس نعمان كان الداعم السياسي، والذي هيّأ الظروف السياسيّة لتأمين وصول بشير إلى الرئاسة.
وذلك حصل بعد لقائه ببشير في صيف العام 1977، الذي لمس فيه الأباتي نعمان صفةً لم تعد متوافرةً عند كثير من السياسيّين اللبنانيّين، ولا سيّما المسيحيّين، وهي استعداد بشير للقبول بأيّ نصيحة يتمّ تزويده بها من قبل الأباتي نعمان أو الرهبنة.
وعقد الرجلان عدّة اجتماعات في تمّوز وآب وأيلول من العام 1977، منها ما كان ثنائيًّا، ومنها ما كان مع “لجنة البحوث” التي كانت تضمّ الأب جوزف قزّي، ويُعتبر أحد أبرز الباحثين والمفكّرين فيها، إضافةً إلى كلّ من هنري كريمونا، وبول فارس، وميشال عوّاد، والشاهد الحيّ الباقي الأستاذ أنطون نجم، أطال الله بعمره.
ولم يأخذ الأباتي نعمان وقتًا طويلًا حتى رأى تلك الصورة التي رسمها في ذهنه عن الموارنة كشعب يتلاقى مع الزخم المعنوي والقيادي الذي كان يعبّر عنه بشير الجميّل في أدائه في تلك المرحلة. فتكوّنت قناعة لدى الأباتي نعمان بأنّ بشير أصبح، في تلك المرحلة، الشخصيّة القادرة على ترجمة جزء من هذا المشروع سياسيًّا. ودائمًا بحسب مذكّرات الأباتي نعمان، كان تعويل الرهبنة كبيرًا على بشير لإقناع والده الشيخ بيار الجميّل بالصيغة الجديدة المركّبة، بدلًا من صيغة العام 1943 التي كان الجميّل الأب متمسّكًا بها.
وكانت نظرة بشير إلى الأباتي نعمان والرهبنة كمرجعيّة فكريّة مستقلّة عن الإطار التنظيمي للكتائب وقتذاك، حيث اعتبر الرهبنة هي المرجعيّة التي بإمكانه الركون إليها في حال تعارض طموحه مع أهداف الكتائب في تلك المرحلة.
ويشهد للأباتي نعمان دوره في تصويب بوصلة بشير الجميّل الذي اندفع في منتصف أيلول من العام 1977 للدعوة إلى الحوار مع الرئيس صائب سلام وبعض القيادات الفلسطينيّة. فكان موقف الأباتي نعمان حازمًا، وأجاب بشير: “مع من يمكن أن نتحاور؟ مع صائب سلام؟ أعتقد أنّ لا فائدة من محاولة ذلك في هذه الظروف، مع أبي أياد؟ هل لا يزال بإمكانه السيطرة على الفلسطينيّين، في ظلّ الضغط السوري عليه وعلى غيره من القيادات الفلسطينيّة في بيروت؟”.
ويكمل الأباتي نعمان مخاطبًا بشير: “بعد الفوضى التي وقعت، من الخطأ ادّعاء معرفة حقيقة نيّات أيّة دولة من الدول المعنيّة بالشأن اللبناني”.
والمهمّ في هذا الحوار ما أجابه بشير عندما قال: “المهمّ أن نريد، وأن نقرّر ما نريد، ولنا القوّة على تحقيقه”. وكان بشير المصغي دومًا إلى نصائح الأباتي نعمان، الذي طلب منه التروّي بالكلام عن مستقبل الجبهة اللبنانيّة وطريقة التعاطي مع أركانها، حتى لا يعرقلوا المشروع الذي يعمل عليه الأباتي نعمان مع لجنة البحوث لإيصال بشير.
من “بشير” إلى الرئاسة: هندسة الطريق السياسي
هذا الانسجام بين الرجلين دفع بالكثيرين إلى اعتبارهما فريقًا واحدًا. لكنّ الواقع الذي كان يراه الأباتي نعمان لا يتطلّع إلى المناصب والمراكز بقدر ما يصبو إلى الوصول إلى الهدف بإنجاح الصيغة اللبنانيّة الجديدة القائمة على الحلّ اللامركزي أو الفدرالي. ولم يُخفِ الأباتي نعمان يومًا قناعته بأنّ بشير الجميّل هو الحصان الرابح الذي سوف يحقّق للبنان هذا المشروع. لذلك كان عمله بإخلاص لإيصال بشير إلى الرئاسة.
كما أنّ الأباتي نعمان لم يُخفِ انتقاده لبشير لحظة ابتعد. فقال: “نحن لم نمشِ مع بشير، هو فتّش عنّا”. وفي موقف محبط من شخصيّة بشير، تابع الأباتي نعمان قائلًا: “نحن نفتّش عن بشير ما. ظننّا أنّ هذا البشير هو بشير، لكن يظهر أنّنا لم نجده حتّى اليوم. إنّ ذاك الذي نعرفه غير قادر على الخروج من حزب الكتائب، أقلّه حاليًّا”.
فبشير كان بالنسبة إلى نعمان شخصيّةً سياسيّةً يمكن أن تنتقل من قيادة الحرب إلى قيادة الدولة؛ لكنّه عاد وصوّب بوصلة تفكيره السياسي يوم اعترف بثقة، وبحسب ما ورد في مذكّراته دائمًا: “نحن بتفكيرنا، قد نصل إلى إبراز هذا الشخص الذي نريد. الجبهة اللبنانيّة دخلت في خطّ المساومات، وبشير الذي حاول السير في خطّنا، هو في حالة مساومات”. وختم الأباتي نعمان قائلًا: “علينا إذًا أن نبقى في خطّنا”.
وفي العام 1982، كان هناك تحضير سرّي داخل الجبهة اللبنانيّة لتوحيد الترشيح المسيحي للرئاسة. فأعلن بيار الجميّل دعمه لترشيح كميل شمعون. وهنا تدخّل نعمان ليقلب الموازين بالكامل، حيث قال:
“من دون شكّ. إنّ الرئيس شمعون هو الأكفأ والأفضل، ولديه من الخبرة والحنكة والشجاعة ما يجعله يقوى على كلّ الصعوبات. ولكن من الخطأ أن ندخل إلى معركة الانتخابات الرئاسيّة منقسمين، ونحن لم نشفَ بعد من النزاع فيما بيننا. لدينا الآن الشيخ بشير، ابن المعاناة المارونيّة، وهو الوحيد القادر على حلّ الأزمة من خلال إرساء حكم مسيحيّ قويّ، وكما أنّ الآخرين يواجهوننا اليوم بقوّة موحّدة، يجب أن نواجههم بقوّة موحّدة، فإمّا أن يتنازل الشيخ بشير عن قيادة القوّات اللبنانيّة للرئيس شمعون، وإلّا أن نختار الشيخ بشير لرئاسة الجمهوريّة”.
وبعد ذلك بدأ العمل السياسي الفعلي. فتحرّك الأباتي نعمان باتّجاه مختلف الشخصيّات السياسيّة، من ميشال إدّه إلى وليد جنبلاط، في محاولة لإقناعه بأنّ انتخاب بشير لا يستهدفه، أو على الأقل ألّا يعارض انتخابه بشدّة. كما عمل على تأمين النصاب النيابي لجلسة الانتخاب. كما نجح في إقناع الأمير مجيد أرسلان وفؤاد لحّود بتأييد بشير، لكنّه لم ينجح في إقناع ألبير مخيبر وحسين الحسيني بالحضور لتأمين النصاب.
فالعلاقة بين الأباتي نعمان والشيخ بشير كانت تحالفًا بين مشروع فكريّ رهبانيّ ومشروع سياسيّ صاعد. فهو كان يعمل لمصلحة “مشروع بشير” كما فهمه هو. ولعلّ هذا ما دفع الأباتي نعمان إلى الانتقال من “الفكرة” إلى “هندسة الانتخابات”.
اللقاء الأخير: من الحلم إلى الأسطورة
لقد كان، عن حقّ، الأباتي بولس نعمان أحد أهمّ الجسور بين العالمين:
الرهبنة والفكر.
بشير والقوّة الميدانيّة.
وهذا ما ساعد الجبهة اللبنانيّة في تبنّي مشروع البشير وإيصاله إلى رئاسة الجمهوريّة. ومن أصدق ما عبّر عنه الأباتي نعمان عن بشير كان في عظة القدّاس الذي ترأسه في 29 آب من العام 1982 في معهد المعوّقين في بيت شباب:
“لم نفتّش عنك ولا أنت التقينا صدفة، بل تلاقينا وإيّاك عناية، كأنّنا نكمل حديثًا حميميًّا، قديم الأجيال، موصول الأنفاس. والآن وقد أصبحت واقعًا، لا بل أصبحت الواقع الأكيد، دعنا نكمل الحلم. وكم تكون فرحتنا كبيرة، وكم يكون الوطن عزيزًا إذا التقيناك ثانية، واقعًا أكيدًا في روعة الحلم وعظمته”.
واللقاء الأخير الذي جمعه ببشير كان في 12 أيلول، في حفل تنصيب بطريرك الأرمن الكاثوليك “يوحنّا بطرس الثامن كسباريان”. حيث حذّره الأباتي نعمان من السير من دون مواكبة أمنيّة. وفي 14 أيلول، يوم الصدمة الكبيرة، كان الأباتي نعمان في حريصا، حيث كان المقرّ المؤقّت للرهبنة وقتذاك، فسارع إلى مكان الانفجار يبحث عن بشير الذي دخل عالم المجد وصار الأسطورة، ولم يعد موجودًا.
واليوم يعود الأباتي نعمان، بعد 44 سنة، إلى دار المجد الأبدي، ويجتمع الرجلان ليسهرا معًا على ولادة لبنان الجديد، مع بشير جديد. كي لا نبقى نحن هنا في حالة تفتيش دائم عن بشير ما، وكي لا نظنّ أنّ أيّ بشير هو البشير، وكي لا نُصدَم ثانيةً لأنّنا لم نجده بعد حتّى اليوم!