
أربعة وأربعون عاماً ولبنان يترنح في المساحة الفاصلة بين حلم مجهض لبناء دولة قوية، وشرعية وضعت اليوم على محك اختبار حقيقي لفرض سيادتها. تهلّ ذكرى استشهاد الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل ورفاقه في 14 أيلول 1982 لتوقظ في وجدان اللبنانيين غصة الجمهورية السيدة الحرة المستقلة فعلاً، تلك التي اغتيلت في مهدها وصارت طيفاً يطارد واقعاً مثقلاً بالارتهان والركام.
لم يكن بشير الجميل “عابر سبيل” في تاريخ الوطن، بل كان مشروع زلزال سيادي، وتجسيداً حياً لرهان الخلاص القائم على دولة مؤسسات قوية عادلة، قادرة على إخراج الاحتلالات وبسط سلطة الدستور والقانون بلا مواربة أو مساومة.
في وعي الأجيال، يبقى “بشير”، ذلك القائد الشاب الساحر، نموذجاً للرجل القوي الصادق وذي المصداقية الاستثنائية، حتى إن اللبنانيين لا يزالون يرددون بانبهار كيف انضبطت إدارات الدولة وتوقفت الرشوة وتجرأ القانون خلال 21 يوماً فقط من انتخابه وقبل أن يتسلم مقاليد الحكم رسمياً، حيث تبدل سلوك الموظف العام والتزم بالدوام قبل بدايته وحتى نهايته خوفاً وهيبة من منطق الدولة الذي لا يلين. فأين نحن اليوم من دولة “بشير” الحلم، ولبنان يترنح على حافة التفكك والضياع والدمار والخراب؟
نهج لا يتكرر واستعادة الهيبة
في محاولة لالتقاط هذه الأنفاس السيادية، جاء البيان الصادر عن رئيس الجمهورية جوزيف عون في ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل، ليؤكد الترابط العضوي بين هيبة الشرعية الحاضرة والإرث الوطني الغائب. وفي هذا السياق، تلفت مصادر سياسية مطلعة عبر موقع ” القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “بشير” يُمثل “حالة تاريخية ونهجاً سيادياً حاسماً قاطعاً”، مؤكدة أن “لا خلاص حقيقياً للبنان اليوم إلا بأن تخطو الدولة بجرأة وحسم وثبات وبوضوح كليّ لاستعادة هيبتها وسلطتها، معتمدة بالدرجة الأولى على الشجاعة والاستقامة والنزاهة والشفافية المطلقة التي تميز بها الرئيس الشهيد “بشير” ومثّلت جوهر مشروعه الانقاذي”.
كواليس واشنطن وحراك “روما 3”
في ملف المفاوضات، وبعد المعلومات المتضاربة على مدى الأسابيع الماضية حول موعد الجولة الثامنة، أُعلن عن تأجيل مفاوضات “روما 3” إلى تشرين الأول المقبل بحسب مسؤول أميركي، مشيراً إلى أن سفيري لبنان وإسرائيل سيلتقيان هذا الأسبوع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن لاستكمال البحث في جدول أعمال الجولة الثامنة، وذلك بالتوازي مع الاستعدادات الجارية لعقد مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني المرتقب يوم الخميس المقبل.
وفي كواليس العاصمة الأميركية واشنطن، يلاحظ المتابعون للملف اللبناني أن الإدارة الأميركية تعتبر أن الأولوية في المدى المنظور يجب أن تتركز على بسط سيادة الدولة وسلطتها الفعلية على المنطقة التجريبية الأولى بالاضافة وبالتزامن في المناطق المتاخمة مباشرة والقريبة من المنطقة التجريبية في زوطر الغربية وفرون وصريفا، بشكل حازم وفعّال، بحيث لا يعود هناك أي وجود مسلح خارج سلاح الجيش والقوى الأمنية اللبنانية.
سلاح الشرعية وقطع ذرائع التصعيد
وتؤكد المصادر لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، من واشنطن، أن هذا الأمر يمنح الدولة ورقة قوة مهمة في مفاوضاتها مع إسرائيل تجاه المجتمع الدولي، وخصوصاً أمام الراعي الأميركي، ويعزز فرص الدعم الموعود للجيش اللبناني والقوى الأمنية؛ لأن ترك هذه المناطق من دون الوجود الفعال للدولة وإخلائها من المسلحين والبنى العسكرية والسلاح غير الشرعي وفرض الجيش للسيطرة الفعلية على الأر، يُبقيها لقمة سائغة أمام “الحزب”، ما يُضعف موقف الدولة وصورتها ويعطي ذرائع إضافية لإسرائيل لمواصلة التصعيد وتوسعة الحرب.
الشرعية على محك الاختبار الميداني
من هنا، وفي هذا السياق الميداني والسياسي البالغ الدقة، أتت الزيارة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية إلى النبطية يرافقه قادة القوى العسكرية والأجهزة الأمنية إلى النبطية وزوطر الغربية، بحسب المصادر، لتضع الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية مباشرة أمام ذلك الاختبار العملي والفعلي على الأرض.
تضيف: “من خلال تثبيت الانتشار الفعلي للجيش في النبطية والمناطق المجاورة وإخلائها من مسلحي “الحزب” وضبط البنى العسكرية ومخازن السلاح، يشكل هذا الحراك إن حصل فعلاً خطوة متقدمة ونقطة تُسجَّل لصالح الدولة اللبنانية تعزز موقفها التفاوضي، ويفرض في الوقت ذاته نقطة تراجع في الخانة الإسرائيلية”.
لكن المصادر تشدد، على أن الأمور ستبقى رهن المتابعة والرصد والترقب والتثبت المستمر على الارض في الايام المقبلة؛ فهل ستنجح الشرعية في هذا الاختبار وتكون حاسمة في منع مسلحي “الحزب” من العودة والتغلغل بين المدنيين في النبطية وسائر المنطقة التجريبية الأولى، بما يُحرج إسرائيل ويُكبّلها ويلجمها عن التصعيد، لنبدأ أخيراً برفع مدماك حقيقي في بناء تلك الدولة الحلم؟
اقرأ أيضاً:
خاص ـ بشير الجميل و”القوات”: نهج لا يموت.. ومقاومة لا تنكسر (أمين القصيفي)