
انتظرتُ سنواتٍ في غربتي، على أمل أن أعود يومًا إلى جنوبي، ما يعزّ عليّ أن الحلم الذي انتظرته طويلًا، صار اليوم أثقل من مجرد حلم… صار وجعًا في القلب، سنين وأنا أحلم بالعودة، وكنت أظن أن لحظة الرجوع ستُنهي كل وجع الغربة… لكن للأسف اكتشفت أن أصعب غربة هي أن تكون في وطنك، وقلبك لا يستطيع أن يصل إلى المكان الذي يشتاق إليه وترعرع في أرضه.
سنين كتبت لك يا جنوبي من غربتي على أمل أن أعود إلى أرضك وأعوض سنين غربتي وها أنا اليوم يعزّ عليّ أنني لا أستطيع أن تطأ قدماي أرض الجنوب، بسبب صراعاتٍ ومصالح لا تمتّ إلى مصلحة لبنان بصلة.
“عدتُ إلى لبنان بعد سنوات من الغربة، اكتشفت أن الغربة لم تنتهِ… فأقسى ما يمكن أن يشعر به الإنسان أن يعود إلى وطنه، ويبقى غريبًا بها”.
كفى مغامرات على حساب الجنوب وأهله. حان وقت تسليم السلاح والاحتكام إلى الدولة.
الجنوب دفع الثمن غاليًا، ومن حق أهله أن يعيشوا بأمان بعيدًا عن الحروب والمحاور. إيران لن تنفعكم عندما يدفع لبنان والجنوب ثمن المواجهات.
لبنان أولًا، والدولة وحدها تحمي الجميع. السلاح خارج الدولة لم يجلب للجنوب إلا الدمار والخوف والخسائر. لقد آن الأوان لقرار شجاع.
كفى دمار، لا إيران ولا أي محور سيعيد للجنوب ما خسره. وحدها الدولة تستطيع أن تحمي لبنان وتبني ما تهدّم. للأسف، إلى متى يبقى الجنوب ساحة لتصفية الحسابات؟ حان الوقت ليعود القرار إلى الدولة اللبنانية. كرامة الجنوب وأمن أهله لا يكونان بالسلاح، بل بدولة قوية صاحبة قرار وسيادة.
جنوبي لا يحتاج مزيدًا من الحروب؛ يحتاج دولة، أمانًا، وإعمارًا ومستقبلًا لأهله.
كفى سلّموا السلاح للدولة، وأنقذوا ما تبقّى من لبنان والجنوب.
وما أقسى والأصعب أن أرى جنوبي قريبًا من القلب، بعيدًا عن الخطى. كم يعزّ عليّ أنني لا أستطيع أن أطرق أبواب جنوبي، وأن أمشي في أرضٍ اشتقتُ إليها كل هذه السنين.
في غربتي كنت أعد الأيام وأحلم بيومٍ أعود فيه إلى جنوبي، إلى أرضٍ لم تغب يومًا عن قلبي.
كم يعزّ عليّ أن أرى الجنوب يتألّم، وأنا لا أستطيع أن أخطو على أرضه… فالجنوب ليس ساحةً لمصالح الآخرين، بل هو أرضنا، وبيوتنا، وذكرياتنا، وحقّنا في أن نعود إليه بكرامة وأمان..
غربةٌ طالت، وشوقٌ لم يهدأ، وجنوبي ما زال يسكن القلب مهما ابتعدت وفرقتنا المسافات.
“جنوبي ينزف، والصمت أقسى من النار”.
كفى جنوبي يحترق، والعالم يكتفي بالمشاهدة.
حين يحترق الجنوب، أين أصحاب المواقف؟
جنوبي الغالي تحت النار، والضمائر غائبة.
نارٌ تلتهم الجنوب، وصمتٌ يلتهم ما تبقّى من المواقف.
جنوبي يصرخ، وللأسف ما من أحد عالسمع.
بيوت الجنوب تُحترق وأرض تُدمّر، فيما الجميع يراقب بصمت.
كفى إلى متى يبقى الجنوب وحده في مواجهة النار؟
جنوبي ليس خبرًا عابرًا… الجنوب وجع وطن.
جنوبي ينزف ويحترق، فمتى يتحرّك من بيده القرار؟
يعز عليّ أن أرى أرض جنوبي تحترق وليس باليد حيلة.
كم يؤلمني ويعز عليّ أن أكون عاجزة عن الوصول إلى الجنوب، لأنها أصبحت رهينةً لحسابات إيران ومصالحها.
يعزّ عليّ أن يكون الجنوب قريبًا من القلب وبعيدًا عن الخطى، بسبب سلاحٍ ومحاور جعلت أرضنا رهينةً للصراعات.
ما أقسى أن يحترق الجنوب، ويكون الصمت هو الموقف.
كفى يا إيران… ارفعي يدك عن جنوبي، واتركي للبنانيين حق تقرير مصيرهم.
كفى تدخّلًا في شؤون لبنان. وطني لبنان ليس ساحةً لمصالحكم.
كفى، لبنان ليس ورقةً تفاوضية ولا ساحةً لحساباتك.
كفى إيران، ارفعي يدك عنه.
كفى عبثًا بلبنان. هذا الوطن لنا نحن أبناء هذه الأرض، وقراره يجب أن يكون لبنانيًا.
الكرامة ثم الكرامة، رئيسنا ابن الجنوب الصامد الذي نفتخر فيه.
أنا إبنة الجنوب على يقينٍ أن قديسنا مار شربل بعنايته السماوية، ووصايته الحارسة تحيط بجنوبي وتحمي أرضه وأهله من كل يدٍ شريرة… وأؤمن أن صلاة وشفاعة القديس شربل ستبقى نورًا وحمايةً لجنوبي الغالي.
