صحيفة نداء الوطن – داود رمال
في الرابع عشر من أيلول 1982، لم يكن لبنان يودّع مع بشير الجميل رئيسًا منتخبًا فحسب، بل كان يودّع احتمالا لم يُمنح فرصة الولادة. رئيس انتُخب ولم يحكم، وعهد بدأ بالقسم ولم يصل إلى الحكم، ومشروع دولة خرج من قلب الحرب حاملا وعدًا بالخروج منها، ثم ارتقى صاحبه قبل أن يخطو خطوته الأولى في قصر بعبدا. وبعد أربعة وأربعين عامًا، يعود الرابع عشر من أيلول كمرآة للحاضر، لأن لبنان، رغم كل ما تبدّل فيه، ما زال يطرح الأسئلة التي حملها بشير إلى الرئاسة: أين الدولة؟ أين السيادة؟ وأين القرار الوطني؟
لعل أكثر ما أبقى بشير حاضرًا في الذاكرة أنه لم يترك تجربة حكم طويلة يمكن الحكم عليها بالنجاح أو الفشل، بل ترك فكرة دولة. ففي خطاب القسم، لم يتعامل مع الرئاسة كانتصار شخصي، بل كمسؤولية أمام وطن ينزف من الداخل وتتجاذبه القوى من الخارج. كان يرى أن لبنان لا يحتاج إلى رئيس يحرس ما تبقى من الدولة، بل إلى قيادة تستعيدها.
ومن هنا بدأ مشروعه من الدولة نفسها؛ شرعية تتحول من نصوص إلى فعل، ودستور تحميه مؤسسات فاعلة، وجيش يستعيد وحدته ودوره، وأمن لا تتعدد مصادره. فاستعادة المؤسسات لم تكن عنده إعادة تشغيل للإدارة فقط، بل استعادة للمعنى الذي يجعل لبنان دولة بالفعل لا اسمًا على خريطة.
ومن الدولة وصل إلى السيادة، باعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة. فلا دولة بلا قرار مستقل، ولا سيادة إذا بقيت الأرض مفتوحة لإرادات الآخرين. كان يريد للبنان أن يستعيد قراره وحدوده ومؤسساته، وأن يصبح جيشه صاحب الدور الطبيعي في حماية الوطن، بعدما تحولت أرضه طويلا إلى ساحة لصراعات الآخرين وحساباتهم.
لكن الدولة القوية في رؤيته لم تكن نقيض التعددية، بل ضمانة لها. فالوفاق لم يكن صفقة بين الطوائف ولا إلغاءً للاختلاف، بل اتفاقًا على الوطن، وعلى أن تبقى الموالاة والمعارضة داخل النظام الديمقراطي، فيما تظل الدولة المرجعية التي يعود إليها الجميع. كان يريد للبنانيين أن يختلفوا في السياسة من دون أن يختلفوا على لبنان.
وهنا يبرز الجانب الإنساني من مشروعه. فالدولة التي أرادها لم تكن دولة أمن ومؤسسات فقط، بل دولة تعيد إلى المواطن ما فقده في سنوات الحرب، أي الأمان والحرية والكرامة والانتماء. لذلك امتد تصوره إلى الاقتصاد والتنمية والعدالة الاجتماعية، لأن الاستقلال لا يكتمل إذا بقي الإنسان أسير الفقر والهجرة والحرمان. ومن هنا أيضًا جاءت دعوته إلى استعادة طاقات الاغتراب اللبناني باعتبارها جزءًا من ثروة الوطن ومستقبله.
ثم جاء الرابع عشر من أيلول ليقطع الطريق. بعد ثلاثة أسابيع فقط على انتخابه، اغتيل بشير في الأشرفية، وانتهى معه عهد لم يبدأ فعليًا. ومنذ ذلك اليوم بقي السؤال مفتوحًا: ماذا كان سيحدث لو بقي؟ لا جواب يقينيًا عن سؤال كهذا، ولا يجوز تحويل الاحتمال إلى حقيقة. لكن المؤكد أن لبنان حُرم من فرصة اختبار مشروع كامل في الحكم، فتحول بشير من رئيس كان يفترض أن يُحاسب على تجربته إلى رمز لمشروع لم يُتح له أن يُختبر.
بعد أربعة وأربعين عامًا، تكمن قوة ذكراه في أن الأسئلة التي حملها إلى الرئاسة لم تمت معه. كلما اهتزت الدولة، أو ضعفت السيادة، أو عاد الانقسام، أو شعر اللبناني بأن قراره الوطني مهدَّد أو مُصادَر، عاد ذلك المشروع إلى الواجهة. تغيّرت الوجوه، وتبدلت الأزمات، وتعاقبت السنوات، لكن سؤال الدولة بقي.
ولهذا لا تعود ذكرى بشير إلى الماضي فقط، بل تأتي من الماضي لتسائل الحاضر. حين نتحدث عن السيادة والجيش والمؤسسات والوفاق، وعن لبنان العربي المشرقي المنفتح على العالم من دون أن يفقد قراره، وعن اقتصاد منتج ومجتمع متماسك واستعادة طاقات الاغتراب، نستعيد ملامح الدولة التي أرادها.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الذكرى أن اللبناني لا يحزن فقط على رجل استشهد في السادسة والثلاثين، بل على عهد لم يُمنح فرصة النجاح أو الفشل، وعلى نافذة كان يمكن أن تفتح للبنان وسط ركام الحرب فأُغلقت قبل أن تُفتح.
أربعة وأربعون عامًا مرّت، وبشير لم يعد يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي حملها إلى بعبدا. لكن لبنان يستطيع. يستطيع أن يجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص، والسيادة أقوى من الوصاية، والجيش أقوى من الانقسام، والوفاق أعمق من التسويات، والمواطنة أرسخ من الاصطفافات.
لذلك ليست الذكرى وقفة عند قبر أو صورة أو تاريخ، بل وقفة أمام لبنان نفسه. رحل بشير ولم يبدأ عهده، لكن الفكرة بقيت معلقة فوق الجمهورية، تنتظر أن تتحول من حلم رجل إلى إرادة وطن. وربما هنا تكمن أقسى مفارقات لبنان: أن يمضي أربعة وأربعون عامًا على اغتيال رجل، فيما لا يزال الوطن يبحث عن الدولة التي حلم بها.