Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ سقفي السماء ليش بدي خاف؟! (فيرا بو منصف)

رحل الوسيم. الإنكليزي الملامح، الأرستقراطي الطلة، لكنه ابن الشعب ومنهم، ابن رجل من بين  أذكى رجال السياسة في لبنان، ذاك الأكثر وسامة بعد  كميل شمعون. رحل دوري شمعون.

لا أكتب سيرة حياته في هذه السطور القليلة، من يعرف تاريخ لبنان الحديث، يعرف “الريس” وسيرته السياسية المفلوشة الواضحة بكل تفاصيلها، ولكن نكتب ميزة رجل حمل في نضاله الحزبي بذور وطن الأرز، وحاول مع أمثاله من السياديين أن ينثر قدر ما يستطيع من تلك البذور لتنبت  أرضنا حرية وسيادة. نجح أحيانًا وأخفق في أخرى، خصوصًا في مرحلة الاحتلال السوري، لكنه سطر في سجله وفي سجل المقاومين لذاك الاحتلال البغيض، إنه قال لهم لا بوجههم، من دون مواربة أو تملق أو مسايرة، في مقابل الحصول على منصب أو ترقية أو أن يصبح رئيسًا للجمهورية مثلًا تحت عباءتهم، كما فعل كثر وخصوصًا ميشال عون، الذي كان في البداية حليفًا له، وما أن اكتشف حقيقته السوداء، حتى تركه وأصبح من أشد المعارضين له ولسياسته الهدامة للمسيحيين ولبنان عمومًا.

حاول دوري شمعون طوال مسيرته، أن يكون من حملة بذور لبنان الحر السيادي، ورفض أن يلبس عباءة غريب على حساب لبنانه، “وقفوا الحج على عنجر”، قال مرة لمسؤولين لبنانيين صغار جعلوا من عبد الحليم خدام وغازي كنعان وأشباههم من السفهاء المحتلين، جعلوهم “أيقونات” تتحكم  بمصير لبنان وشعبه، ورفض كل ذاك العبث المجنون، كل ذاك الذل، كل تلك المهانة، رفضها علنًا “لأن سقفي سما لبنان” كما قال.

لم يكن ذاك السياسي التقليدي، ولا حاول أن يجعل من نفسه دائرة ضوء وهمي يدور الكل من حوله، لفرض وجوده بمواقف شعبوية فارغة، أو ليعلن حضوره الدائم في المشهد السياسي على حساب الموقف الفعلي والمضمون الهادف. لا، كان رجلًا واقعيًا في السياسة، حاضرًا حين يجب أن يكون حاضرًا، شارك المعارضين للاحتلال السوري في كل خطو اتهم، كان من صلب حركة 14 آذار، ولم يتردد عن انتقادها لاحقًا لأنه شعر أنها تراجعت في مكان ما، هذا دوري شمعون، حامل إرث كميل شمعون الثقيل، إرث فيه ما فيه من العراقة السياسية، والحنكة، إرث أب كان رئيس جمهورية من أكثر الرؤساء شعبية وعاش لبنان معه أكثر سنوات الازدهار والتقدم، حمل ثقيل بالتأكيد، وتلاه حمل أثقل بعد حين اغتالوا داني وعائلته، فاضطر لحمل مشعل حزب الوطنيين الأحرار وحيث وقع مرة ثانية في المقارنة مع داني، صاحب الكاريزما العالية والحضور اللافت، وتجاوز  دوري كل القطوع التي عبرت به، وبقي على الوفاء للارث الشمعوني على الرغم من الاحتلالات، السوري والايراني، وبقي حاضرًا بمواقفه المباشرة الحادة “مع وجو” كما يقال باللبناني، مواقف دفع ثمنها خصوصًا عندما رفض اقتراح الياس الهواوي على زمن رئاسته للمشاركة في الانتخابات النيابية، والتأكيد له بالحصول على كتلة لا تقل عن 15 نائبًا، فرفض رفضًا قاطعًا معتبرًا أنه مجلس نيابي للسوريين.

هذه مواقف لا يعلنها الا الرجال الشجعان، الشبعانين، الذين يزدرون بالمناصب إذا كانت على حساب الكرامة والعنفوان وسيادة لبنان.

رحل الوسيم في الذكرى الـ44 لاغتيال البشير  يوم عيد الصليب، حيث حمل لبنان صليبًا كبيرًا مع اغتيال الباش، ودار الزمن دورته العنيفة وبدا يتحقق الحلم، حلم البشير حلم “القوات اللبنانية”، حلم المقاومة اللبنانية التي كان دوري شمعون من صلبها، حلم الجمهورية القوية بجيشها ودولتها وناسها، حلم جمهورية لا يحكمها سلاح الدويلة الإرهابية، ولا إيران ولا سوريا ولا الفاسدين من حلفائهم، ولا كل هؤلاء الخوارج والغرباء عن  قيم لبنان ورسالته العظيمة، رحل دوري شمعون وبقيت السيرة الحلوة التي تروي فصلًا جميلًا من حكاية سيلسي لبناني صميم، رجل ساخر أحيانًا في معارضته، طريف على الرغم من كل الاسى، حاد المواقف على الرغم من الأخطار، صريح واضح مباشر لم يخف يومًا لانه اعتبر أنه “طالما سقفي لبنان من شو بدي خاف بعد”.

امتلأت السماء بالوسيمين المناضلين، والجمال هنا ليس بالوجه والقامة وحسب، بل بتلك القلوب التي هامت بحب لبنان، وطرزت حروف حياتها من خيوط الشمس في لبنان، وعبق تراب لبنان، ولفحة الريح من هواء لبنان، وجعلت مسيرتها دروب نضال لأجل حرية لبنان.

سلم على الباش ورمزي  وجبران وكل من تصادفهم فوق، واصنعوا معًا لأجلنا جبهة لبنانية من خيوط السماء، تلفحنا بالقوة والايمان، المزيد منه، لنكمل المسيرة مع قواتنا اللبنانية وكل أولئك الأحرار، دوري شمعون…

إقرأ أيضًا

Exit mobile version