صحيفة نداء الوطن – ايلي الياس
رحل الأباتي بولس نعمان عن عمر 94 سنة، حاملا في رحيله شهادة حيّة على أكثر مراحل لبنان اضطرابًا وتحولا. لم يكن رحيله مجرد وفاة راهب، بل فقدنا مؤرخًا عاش أحداث عصره، ورجل دين انخرط في معارك الأرض والحرية، وقياديًا اختار أن يكون جسرًا بين الإيمان والدفاع عن الكيان.
سيكتب الكثيرون عنه. سيعيدون سيرته، وسيربطونه بسلسلة من الرجال الذين حملوا الصليب علامةً وليس رمزًا فقط. من يوحنا مارون إلى البطريرك حجولا، فالدويهي والمطران اسطفان وحويك، مرورًا بالقائد بشير الجميل وسلفه الأباتي شربل القسيس، رسم هؤلاء جميعًا خريطة طريق عنيدة للموارنة، وكان بولس نعمان جسدًا حيًّا من أجسادها.
مسيرة الأباتي لم تبدأ من الساحة السياسية، بل بدأت من المكتبة، من الكتاب. عندما عاد من روما عام 1967 حاملا شهادة الدكتوراه، جاء بمشروع علمي صارم: دراسته Théodoret de Cyr et le Monastère de Saint Maroun، التي طُبعت ضمن سلسلة “مكتبة جامعة الروح القدس” عام 1971. لم تكن هذه مجرد أطروحة أكاديمية يودعها في الأرشيف.
كانت مواجهة مع سؤال عميق: من نحن الموارنة حقًا؟
في تلك الدراسة، أثبت الأباتي أن الموارنة ليسوا وليدة صدفة تاريخية، بل ورثة شرعيون لتقليد لاهوتي صارم يعود إلى ثيودوريت، أسقف قورش نفسه. لكنه لم يكتفِ بإعادة تأسيس النسب اللاهوتي. فعلى مدى مئتي صفحة دقيقة، تتبّع الحركة الجغرافية والروحية للمجتمع الماروني وارتباطها بجبل لبنان.
لم تكن هذه خريطة تاريخية فحسب، بل كانت قصة عن كيف أن هوية حيّة، كهوية الموارنة، لا تكون ثابتة في نص، بل تتحرك وتتطور عبر الجغرافيا والزمن والاختبارات. وفي ذلك التحرك الجغرافي، وفي تتبّع هذا المسار من قورش إلى أفامية إلى لبنان، كان الأباتي يبحث عن معنى واحد: الحرية. حرية البحث عن الذات، وحرية الاختيار، وحرية البقاء في الأرض.
من هنا، فهم الأباتي أن دوره كأستاذ وباحث لم يكن منفصلا عن مسؤوليته الروحية والوطنية. عندما أسّس معهد التاريخ والآثار في جامعة الروح القدس، وتولى إدارته لنحو عشرة أعوام، لم يكن ينظر إلى التاريخ كمعلومات أرشيفية بعيدة عن الحاضر. كان ينظر إليه كأداة حيّة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كان يريد أن يعلّم الطلاب أن أسئلة الماضي هي أسئلة الحاضر نفسها: أي لبنان نريد؟ وأي دور للموارنة فيه؟ وأي معنى للدولة إذا فقدت قرارها وحريتها؟
عندما بدأت الأحداث تضرب لبنان في أواخر الستينات، لم يكن غريبًا أن ينخرط نعمان مباشرة فيها. لم يكن هناك تناقض في نظره بين البقاء في الكتب والنزول إلى الأرض. شارك في الاجتماعات الفكرية التي انطلقت في الكسليك، وانخرط في “لجنة البحوث اللبنانية”، وكان عضوًا في “الجبهة اللبنانية”. كان يرى أن مسؤولية الراهب والمثقف لا تنتهي عند باب الدير أو جدران الجامعة.
عندما انتُخب رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية عام 1980، كانت البلاد غارقة في أحلك مراحل الحرب. فتح أديرة الرهبانية أمام المهجّرين والجرحى، وفتح قنوات حوار مع جميع الأطراف، ودافع عن سيادة لبنان وحريته. واقترب من المشاريع التي رأى فيها استعادةً للدولة والقرار، وعلى رأسها انتخاب بشير الجميل رئيسًا عام 1982.
حتى حين سقط بشير في 14 أيلول، اختار الأباتي أن يجعل من تلك اللحظة، لا لحظة انكسار بل محطةً جديدة للاستمرار. لم يستسلم ولم ينكفئ، بل ظل حاضرًا، محاضرًا، موجهًا ومرجعًا للقضية اللبنانية حتى آخر لحظات حياته.
في زمن الانكسار والهيمنة والاحتلال السوري، أبى أن ينكفئ، فكان مكتبه أكثر من مكان عمل، كان مدرسة نضالية وفكرية. كان لي الحظ منذ بدايات عملي في جامعة الروح القدس الكسليك أن أتعرّف إليه عن قرب، من فنجان القهوة الصباحي إلى استقبال الزوّار، إلى ترجمة المقالات وترتيبها على الحاسوب. كنت تعلّم، ليس من الكتب وحدها، بل من مواقفك وحضورك. لم تكن هناك حدود صارمة بين المؤرخ والراهب والوطني في مكتبك. كانوا واحدًا.
من عرفك عن قرب يعرف أن جوهرك كان واحدًا طوال الوقت: أن تكون مارونيًا. لا بالمعنى الضيّق، بل بالمعنى الحرّ الذي عملت طوال حياتك على إعادة تعريفه. مارونية لا تعني انغلاقًا طائفيًا، بل تجربة تاريخية في البحث المستمر عن الحرية والعدالة والكيان. من قورش إلى أفامية إلى لبنان، كانت الحركة واحدة: حركة نحو الحرية.
وداعًا، أبتي.
تركت لنا إرثًا من الكتب والشهادات والمواقف الشجاعة. لكن أهم ما تركته أنك علّمتنا أن حمل الصليب، وحماية الأرض، والدفاع عن الحرية، ليست ثلاث قضايا منفصلة، بل هي وجه واحد للمسؤولية ذاتها.
من بناء المذابح الصغيرة تحت أشجار شرتون، إلى الأديرة والجامعة والجبهة اللبنانية وكتب التاريخ، ظلّت حياتك شهادةً واحدة مترابطة على أن الإنسان والوطن والحرية ليست شعارات بعيدة، بل حقائق حيّة نختبرها، ونحميها، وندافع عنها كل يوم.
رحمك الله يا أباتي.
ونِعمَ الطريق التي رسمتها.