.jpg)
تتسارع الديناميكيات الدبلوماسية والميدانية المحيطة بالملف اللبناني لتضع مؤسسات الدولة الرسمية أمام طوق محكم من الشروط الدولية والإقليمية المتقاطعة، والتي تكاد تحوّل مساعي الإنقاذ الفعلي إلى حلقة مفرغة. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى العاصمة الفرنسية باريس التي تحتضن يوم الخميس المقبل اجتماعاً تحضيرياً موسعاً لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، غير أن الآمال المعقودة عليه تبدو مكبوحة بوقائع دبلوماسية قاسية.
وفقاً لمعلومات وثيقة حصل عليها موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني من باريس، فإن هذا اللقاء لن يشهد اتخاذ أي قرارات تنفيدية ملموسة أو تقديم حزم دعم فورية للمؤسسة العسكرية، بل يقتصر دوره على كونه خطوة تمهيدية وسياقاً إعدادياً لمؤتمر الدعم الموعود لاحقاً، وسط برودة دولية وإقليمية واضحة تربط أي تدفق مالي أو تسليحي “نوعي” بخطوات ميدانية حاسمة لم تخطُها الدولة اللبنانية بعد.
شروط الرياض ورسائل بعبدا
هذا الكبح الدبلوماسي لمسار الدعم الموعود يتقاطع مباشرة مع معلومات ترددت في الكواليس الدبلوماسية ووصلت أصداؤها إلى موقع “القوات”، تحدثت عن موقف حاسم أبلغته المملكة العربية السعودية للجهات المعنية، مؤكدة فيه بوضوح أنها لن تشارك في تقديم أي دعم مالي أو لوجستي ملموس للجيش اللبناني والقوى الأمنية “قبل أن تلمس خطوات فعلية على الأرض لترجمة اتفاق الإطار، وفي مقدمتها نزع سلاح “الحزب” وبسط سلطة الدولة الحازمة وإثبات جديتها السيادية في إخلاء الجنوب من المظاهر المسلحة غير الشرعية”.
رسائل “بالغة الخطورة” وصلت إلى عون
هذا الموقف الإقليمي الصارم توازى مع رسائل دبلوماسية بالغة الخطورة، بلمسات أميركية، جرى إيصالها مباشرة إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون، وفق مصادر دبلوماسية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، حملت تحذيرات واضحة بأن المماطلة في إثبات جدية الدولة ستُكلِّفها خسارة الغطاء الدولي، خصوصاً وأن الأطراف الدولية لم تعد تكتفي بالوعود والمواقف النظرية، والوقت حان لرؤية التنفيذ الحازم على الأرض لمسألة نزع السلاح غير الشرعي وتفكيك البنى العسكرية والأمنية، الأمر غير الملحوظ بالنسبة للأطراف الدولية والإقليمية حتى ولو بشكل متدرج!
تعنت تل أبيب ومحور الضغط الميداني
على المقلب الآخر، تتقاطع هذه الضغوط السياسية مع تصعيد ميداني وإعلامي إسرائيلي غير مسبوق يهدف إلى فرض أمر واقع جديد على الحدود؛ فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومعه وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن تل أبيب ستواصل عملياتها العسكرية ولن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان أو تعيد انتشار قواتها “قبل التثبت من نزع سلاح “الحزب” وتفكيك قدراته الهجومية بالكامل في لبنان كله”. وتوظف حكومة اليمين هذا التصعيد كصورة نصر ميداني ورسالة حاسمة بأن “الخط الأصفر” لن يشهد انسحاباً وتطبيقاً جدياً لاتفاق الإطار ما لم تبادر الدولة اللبنانية فوراً إلى إثبات قدرتها على نزع هذا السلاح أو البدء الفعلي في تفكيك البنى العسكرية للحزب كدليل أولي على استعادة هيبتها المفقودة.
انقسامات خفية وصراع الإِمرة يحتدم
لكن الحقيقة التي تغيب عن الحسابات الإقليمية والدولية هي أن الطرف الآخر في المعادلة يعيش مخاضاً داخلياً عميقاً يعوق أي مسار للحل؛ حيث تكشف المعطيات نقلاً عن الكاتب السياسي قاسم يوسف، أن من يمتلك قرار “الحزب” لم يعد “الحزب” نفسه، ولم يعد هناك هامش لبناني فاعل داخل أروقته؛ وربما هناك حالة امتعاض وانقسام بالرأي وأجنحة تشتد حدة الصراع في ما بينها حول الخسائر الهائلة التي مُنيت بها البيئة بشراً وحجراً جراء حربي الإسناد، لكن من يمسك بالقرار الحقيقي ويحرّك البوصلة بالمعنى السياسي والعسكري والأمني هي طهران، والحرس الثوري الإيراني بالتحديد.
يوسف يشير، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني يُنشر عند التاسعة من صباح اليوم الثلاثاء ضمن مقال خاص، إلى أن هذا الأمر بدأ يترسخ بشكل عملي وكبير لحظة اغتيال السيد حسن نصرالله، ولاحقاً خليفته هاشم صفي الدين، حيث فُرِّغ “الحزب” بشكل كامل من القدرة على اتخاذ قرار سياسي أو ميداني مستقل، وباتت القيادة الحالية، وعلى رأسها الشيخ نعيم قاسم، مجرد واجهة تنفيذية تفتقر إلى المعرفة الشاملة بالقدرات أو آليات الإدارة المستقلة.
وفي هذا الإطار، ينعكس الانقسام الدائر داخل أجنحة طهران نفسها بين الحرس المتشدد الداعي للحرب من أجل الحرب، والجناح الراغب في التسوية، على النقاشات الداخلية لـ”الحزب”، يقول يوسف، مشدداً على أن المرحلة تجاوزت النقاش؛ فالقرار الإيراني يُتَّخذ ويُنفَّذ فوراً في لبنان من دون إقامة أي وزن أو اعتبار لكوكبة الاعتراض الواسعة في صفوف المسؤولين داخل “الحزب” الذين باتوا بلا أي تأثير؛ إذ فُقد ذلك الهامش اللبناني الواسع الذي كان يمتلكه نصرالله للتأثير في القرار الإيراني وتدوير الزوايا حين يتعلق الأمر بالداخل اللبناني.
من هنا تتبلور الأزمة الكبرى التي يعيشها “الحزب” والتي تضع لبنان بأكمله رهينة صراع الإمرة المخطوف، بانتظار ما ستسفر عنه كواليس جولات واشنطن المقبلة.
اقرأ أيضاً:
خاص ـ “الحزب” في مهب صراع الأجنحة: لمن الإِمرة بعد نصرالله؟ (أمين القصيفي)
خاص ـ شروط باريس وكواليس واشنطن: الشرعية “تحت اختبار السلاح”