
قد يكون افضل تعبيرٍ عن خلفيات الصراخ والشغب والتشويش والتهديدات التي قام بها نواب “الحزب” في وجه الحكومة والوزراء وزملائهم النواب هو الـ “هروب” الأسطوري لهؤلاء وخروجهم من قاعة البرلمان قبل التصويت على محض الحكومة ووزرائها وبالتالي قراراتها، لمنحها ثقتهم أو حجبها (كما هو مفترض)، انطلاقًا من مضابط الاتهام والافتراء وقرارات الظن والأحكام بالعمالة والتآمر والخضوع والانصياع والشراكة مع العدويين الشيطانين الأكبر والأصغر، في تقويض السيادة اللبنانية التي طالت الحكومة والحكم والوزراء مجتمعين بالتكافل والتضامن مع من يريد بلبنان شرًّا وللسلاح نزعًا وللمقاومة إنهاءً، ليكون تخاذل “الحزب” عن حجب الثقة عن الحكومة كتصويت النواب الـ68 للحكومة وقراراتها وللوزراء وادائهم… وتجنبًا للإحراج امام الحليفين بري وباسيل.
لم تكن المشهدية التي أراد منها نواب “الحزب” بطولة وانتصارًا تحت قبة البرلمان بعد السنوات الثلاث من الخيبات والانكسارات والهزائم في الميدان، الا تفسيرًا منطقيًا لمن فقد المنطق والحجة، فاعتمد الصراخ والسباب والشتائم بالاعتراض وقطع الكلام تعويضًا، ما يبيّن أنهم لم يفِوا بما طلبه وأراده النواب المتوترين الموتورين.
فكان جمهور “الحزب” في النتيجة أمام خيبة من مفعول “الصريخ”، ضاهتها خيبتهم من قوة “الحزب” وقدرته التحريرية والدفاعية وحتى الردعية والتي كانت متمثلة بالصواريخ الذي كان يتباهى ويفتخر بها مع جمهوره، على أنها دقيقة وكاسرة للتوازن وتعد بأكثر من مئة ألف صاروخ … وكان الأمين العام الراحل لـ”الحزب” نصرالله قد بشّر المؤمنين بتلك القوة قبيل إسناد غزة بأن العدو لن يتحمل “سقوط الآلاف منها على كامل مساحات أراضي فلسطين المحتلة”، ما يجعله مرتدعًا وعاجزًا عن الاعتداء على لبنان والتحرش بمقاومته…. وكان سبق له أن تباهى بدور تلك الصواريخ في الترسيم البحري الذي حرم اللبنانيين وأفاد الإسرائيليين بقوله في 29 تشرين الأول من العام 2022: “آخر شي بيّن انو الصواريخ بتطعمي خبز”.
وإذا أردنا أن نستخلص من ما نتج عن “الصريخ” في الجلسات، يجب علينا أن نشخّص ما آل إليه مصير عشرات آلاف الصواريخ بعد الضربات، فبعد أن قال نصرالله في 24 حزيران من العام 2016 عن أنه “ نحنا يا أخي عراس السطح أكلنا وشربنا ورواتبنا وسلاحنا وصواريخنا، كله من الجمهورية الاسلامية في إيران… طالما يوجد في إيران فلوس يعني نحن لدينا فلوس، ومالنا المقرر لنا يصل إلينا”، وهو ما عاد وأكده في 1 تشرين الثاني من العام 2019 بقوله: “إذا انهار البلد ولم تعد الدولة تستطيع دفع المعاشات فإن المقاومة ستبقى موجودة وتدفع المعاشات لشعبها”… وفي 17 حزيران من العام 2020: “نحن من يأتي بالدولار إلى لبنان”.
سقط نظام بشار الأسد وأقفلت معه ممرات “الفلوس والدولار والرواتب ومسارات السلاح والذخائر والصواريخ”، ليزيد في الطين بلة ما تعانيه إيران واقتصادها وشعبها ومصافيها ومصادر تموينها وتمويلها من ضائقة قد تصل بها حسب اعتراف وإقرار مسؤوليها الى الانهيار التام.
قد يكون ما كشفه الحاج وفيق صفا عن حقيقة مصير تلك الصواريخ في الميدان، هو الدافع لحفلات “الحزب” في التوتر والانفعال والصريخ في البرلمان، إذ يقول في 22 حزيران من العام 2026 على منصة podium plus مع الصحافي الممانع حسن الدرّ: “آخر مرة كان السيد حسن نصرالله عم يقول الاسرائيلي ما بيوصلّي هيدا واحد، واتنين القيادات هيي بترتّب أمورها وتتعاطى انه قد تكون أهدافًا للإسرائيلي، وتلاتة كان عندو قناعة انه نتيجة ما تعرفه إسرائيل أو ما يعرفه الإسرائيلي عن الامكانات التي هي بحوزة الحزب ما بيفتح حرب… لكن الذي حصل أن الإسرائيلي تمكّن من سماحة السيد وتمكن من القدرة الصاروخية يلي بتنزل بنايات، الصواريخ الإيرانية يلي شفناها في تل أبيب كان موجود منها عند الحزب لكن الإسرائيلي في نفس الوقت الذي قتل فيه سماحة السيد قصف هذه الصورايخ الموجودة لدى الحزب، كان بيعرف وينها …”
ويكون كلام نائب رئيس المكتب السياسي في 21 شباط من العام 2026 على “أن الحزب لم يستخدم سوى 10% فقط من قوته” صحيحًا إذا كان يقصد على ما هو ظاهر للعيان، القضاء على الـ90 % من هذه القوة…
ولا يدخل مضمون “الصريخ” في الادعاءات والاتهامات والهلوسات إلا في خانة هلوسات بوق “الحزب” ومهرجه علي برو الذي تفاخر قائلًا: “نحنا منّيِم ولادنا تحت صواريخنا،نحنا منعمر بيوتنا مش لنسكن فيها لنعملها مخازن ومنشآت،بتتهدم ومنرجع منعمرها لنعملها مخازن ومنشآت”.
.jpg)