#adsense

دوري شمعون: هل تُطوى برحيله صفحة من الشمعونية السياسية؟

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – ريشار حرفوش

 

برحيل دوري كميل شمعون، لم يغادر المشهد اللبناني رجل سياسي فحسب، بل انطفأ وجهٌ من الوجوه الأخيرة التي حملت مباشرةً إرث مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية، رحل آخر نجلي الرئيس كميل شمعون بعد أكثر من تسعين عامًا أمضاها وهو يرى لبنان يتبدل أمامه، فيما حاول أن يحافظ على ما تبقى من إرث سياسي وحزبي ضربته الحرب، وغيرته الاغتيالات، وأعادت رسم ملامحه الوصاية والتحولات الكبرى في موازين القوى.

 

لم يرث دوري شمعون رئاسة ولا نفوذًا جاهزًا، ورث، في الواقع، المرحلة التي أتت بعد سقوط الكثير من عناصر القوة التي طبعت زمن والده، فدخل حزب الوطنيين الأحرار من موقع تنظيمي، وتولى أمانته العامة مع اندلاع الحرب، لكنه بقي بعيدًا عن صورة القائد العسكري التي ارتبطت أكثر بشقيقه الشهيد داني، ثم تبدل كل شيء سريعًا، رحل الرئيس كميل شمعون عام 1987، وبعده بثلاث سنوات اغتيل داني مع زوجته وطفليه، عندها، لم يتسلم دوري حزبًا في ذروة حضوره، بل حزبًا جريحًا، فقد مؤسسه وقائده وجزءًا كبيرًا من حضوره السياسي والشعبي.

 

ومع ذلك، اختار أن يكمل، لا على قاعدة استعادة زمن مضى، بل على قاعدة الحفاظ على الخط السياسي والذاكرة والهوية، وخلال مرحلة الوصاية السورية، رفض أن يمنحها غطاءً سياسيًا، فقاطع ثلاثة استحقاقات نيابية متتالية، وشارك في تأسيس لقاء قرنة شهوان، كما واجه آنذاك مشهد الرحلات السياسية المتكررة إلى مقر الاستخبارات السورية بعبارته الأشهر: “الحج إلى عنجر يجب أن يتوقف”، ولاحقًا، شارك في انتفاضة الاستقلال، وترأس بلدية دير القمر، ثم دخل البرلمان نائبًا عن الشوف، قبل أن يسلم قيادة حزب الوطنيين الأحرار إلى نجله كميل عام 2021.

 

وجاء رحيله في الرابع عشر من أيلول، بالتزامن مع ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل، في مصادفة بدت كأنها تختصر الكثير من المرحلة التي عاشها: من زمن الجبهة اللبنانية والحرب، إلى اغتيال شقيقه داني، ثم مواجهة الوصاية السورية، وصولا إلى زمن تراجع نفوذ الأحزاب التاريخية وتبدل قواعد اللعبة السياسية في لبنان.

 

وفي قراءة لهذا الإرث، قال الباحث والأستاذ في العلوم السياسية الدكتور إيليا إيليا إن رحيل دوري شمعون لم يعنِ فقط رحيل شخصية سياسية لبنانية عاشت عقودًا في الحياة العامة، بل فتح الباب أمام إعادة قراءة مرحلة مهمة من تاريخ لبنان السياسي بدأت مع والده، واستمرت لاحقًا من خلال “الأحرار”.

 

وأشار إلى أن الشمعونية السياسية ارتبطت، في جوهرها، بمجموعة من العناوين أبرزها سيادة لبنان واستقلال قراره، والاقتصاد الحر، والانفتاح على العالم، والحفاظ على النظام اللبناني التعددي، لافتًا إلى أنها لم تكن مجرد إرث عائلي، بل خيارًا سياسيًا واضحًا في مواجهة خيارات عربية وإقليمية أخرى.

 

وتابع إيليا أن عهد الرئيس كميل شمعون بين عامي 1952 و1958 استحق قراءة موضوعية، لأنه شكل مرحلة ازدهار وتحديث في لبنان، وشهد نموًا كبيرًا في قطاعات المصارف والسياحة والتجارة والبناء، كما تحولت بيروت خلاله أكثر فأكثر إلى مركز مالي وتجاري وثقافي إقليمي.

 

وأردف أن الحديث عن “العصر الذهبي” لا يعني أن لبنان كان يومها بلا مشاكل، بل إن بيروت كانت تمتلك في الخمسينيات مقومات دولة حديثة ومؤسسات اقتصادية وثقافية وإعلامية متقدمة، وكانت مركز جذب للرساميل العربية وللسياحة والثقافة والإعلام.

 

في المقابل، أشار إيليا إلى أن عهد شمعون لم يكن عهد إجماع سياسي، إذ برز التباعد مع عدد من القوى، وفي مقدمها كمال جنبلاط، إلى جانب رشيد كرامي وصائب سلام وتيارات قومية وناصرية، موضحًا أن جوهر الخلاف تجاوز أحيانًا شخص شمعون إلى موقع لبنان في الصراع العربي والدولي، في ظل تقارب شمعون مع الغرب في مقابل صعود المد القومي العربي والناصري.

 

وقال إن أزمة 1958 جاءت نتيجة تداخل عوامل داخلية وإقليمية، من الخلاف على السياسة الخارجية إلى الصراع بين السلطة والمعارضة، ومسألة التجديد، والتوترات التي رافقت التحولات العربية، قبل أن تنتهي المرحلة بانتخاب فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية.

 

أما دوري شمعون، فاعتبر إيليا أنه لا يمكن وضعه في العصر نفسه لوالده، فكميل شمعون كان رئيسًا للجمهورية في لبنان الخمسينيات، أما دوري فعاش لبنان الحرب، والوصاية السورية، ثم مرحلة الاستقلال الثاني. وبالتالي، مثل استمرارًا لحضور سياسي وحزبي، ولكن في زمن لبناني مختلف جذريًا.

 

وتابع أن حزب الوطنيين، الذي أسسه كميل شمعون عام 1958 بعد انتهاء عهده، انتقلت قيادته لاحقًا إلى داني شمعون، ثم، بعد اغتياله، إلى شقيقه دوري، قبل أن تنتقل الرئاسة إلى نجله كميل دوري شمعون.

 

وطرح إيليا، من موقع الباحث في الأحزاب السياسية، السؤال الأبعد من الرثاء نفسه: هل تستطيع الأحزاب التاريخية في لبنان أن تنتقل من إرث العائلة والزعامات إلى مؤسسة سياسية متجددة؟ ولفت إلى أن هذا السؤال يلتقي مباشرة مع ما تناوله في كتابه “أحزاب بلا وطن”، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي أمام أي حزب هو أن يحافظ على ذاكرته السياسية، وفي الوقت نفسه أن يتجدد وينتج أفكارًا وقيادات جديدة.

 

من جهته، قال نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار العميد الركن طوني أبي سمرا إن غياب المؤسس والجيل الأول لا يعني غياب المدرسة الشمعونية، مشيرًا إلى أنها بقيت حاضرة في نقطتين أساسيتين:

 

الأولى تجسدت في مقولة كميل شمعون الشهيرة “لبنان أزلي أبدي سرمدي”، مؤكدًا أن هذا المبدأ بقي متجذرًا في المدرسة الشمعونية واستمر داخل حزب الوطنيين الأحرار.

 

أضاف أن هذه الفكرة لم تكن حكرًا على الشمعونية وحدها، بل التقت أيضًا مع ما جمع أحزاب الجبهة اللبنانية في مرحلة معينة على أولوية لبنان والقضية الوطنية.

 

أما النقطة الثانية، بحسب أبي سمرا، فتمثلت في أن القضية كانت دائمًا أكبر من الأشخاص والطموحات والمصالح الخاصة، مشيرًا إلى أن مدرسة كميل شمعون أثبتت، بعد أحداث السابع من تموز وما تلاها من انتفاضات، أن المحافظة على القضية والوحدة كانت تتقدم على الحسابات الفردية.

 

وتابع أن كميل شمعون لعب دورًا أساسيًا في الجمع والحفاظ على القضية، لافتًا إلى أن كل الأهداف الشخصية والطموحات كانت تتراجع أمام أولوية الوحدة والتجذر في الأرض والتمسك بلبنان “الأزلي الأبدي السرمدي”.

 

هكذا، لا يبدو رحيل دوري شمعون مجرد نهاية لمسيرة شخصية، فهو بصورة ما إقفال فصل طويل من تاريخ بيت سياسي ارتبط باسم الجمهورية منذ الخمسينيات لكن الإقفال هنا لا يعني نهاية الإرث، فالشمعونية، كما صاغها كميل شمعون وورثتها أجيال حزبية وسياسية لاحقة، لم تكن فقط اسمًا عائليًا، بل تصورًا للبنان ودوره وهويته.

 

ومع رحيل دوري، يختفي آخر الأبناء الذين حملوا هذا الإرث مباشرة من زمن المؤسس إلى زمننا، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو نفسه الذي يواجه كل الأحزاب التاريخية في لبنان: هل يبقى الإرث ذاكرة تستعاد عند المناسبات، أم يتحول إلى مشروع قادر على أن يعيش خارج زمن مؤسسه؟

 

صحيح رحل دوري، لكن بقي هذا ذلك الذي شكل جوهر المدرسة التي انتمى إليها: لبنان أزلي، أبدي، سرمدي…

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل