صحيفة النهار – علي حمادة
مع اقتراب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” التي من المقرر أن يغادر آخر جندي منها لبنان في 31 كانون الأول/ديسمبر المقبل، تتمسك الدولة اللبنانية بمطلب مبدئي يردده كبار أركانها، وفي مقدمتهم الرئيس جوزف عون، بالتمديد لها مخافة أن ينتج من خروجها وعدم استبدال قوات دولية أخرى تحل مكانها في الجنوب اللبناني، فراغ أمني توازياً مع إسقاط عملي للقرار الدولي 1701 الذي تشكل قوات “اليونفيل” أحد وجوهه التنفيذية.
في هذا الوقت يتقدم مقترح أوروبي أبلغ إلى الحكومة اللبنانية يقضي بتشكيل بعثة مدنية – عسكرية أوروبية تحل مكان القوات الدولية منعاً لحدوث فراغ أمني في الجنوب، تزامناً مع تأمين غطاء أممي للبعثة التي تتمثل بقوات أوروبية قوامها الأساسي فرنسي – إيطالي – إسباني. لكن يحول دون نشر هذه البعثة التي يقبل بها لبنان رفض الولايات المتحدة لتعويم الدور الأوروبي في الجنوب، لا سيما دور فرنسا. كما أن البعثة المقترحة لن تنتشر جنوب نهر الليطاني ما لم يتوقف القتال بين “الحزب” وإسرائيل.
لبنان يتمسك بالقرار 1701 وكذلك “الحزب” الذي يأمل أن يعود إلى المعادلة التي سادت بين 2006 و2023، وهي المعادلة التي شكلت فيها قوات “اليونيفيل” في مكان ما غطاءً سمح له ببناء قاعدة عسكرية ضخمة في الجنوب اللبناني. وهذا ما يعتبر فشلاً في أداء المهمة. ويضاف إلى فشل “اليونيفيل” فشل القوى المسلحة اللبنانية بفروعها كافة لما تعاملت مع “الحزب” باعتباره قوة فوق القانون، وبالطبع ما كان الأمر ليحصل لولا تواطؤ معظم القوى السياسية التي تشكل منها المسرح السياسي الحاكم في العقدين الماضيين.
مسؤولية الفشل
إذاً، مسؤولية فشل “اليونيفيل” تقع على عاتق القوى السياسية اللبنانية، والدول المشاركة في القوة الأممية وأجهزة الأمم المتحدة التي لعبت دور النعامة التي تدفن رأسها في الرمال، فيما واصل الحزب المذكور خرق بنود القرار 1701، ومثله فعلت إسرائيل.
ما سبق يدفع المراقب إلى طرح سؤال بسيط: ما نفع التمسك بقوات “اليونيفيل” أو بالقبول ببعثة أوروبية ستكون نسخة مخففة عن الأولى التي فشلت فشلاً ذريعاً؟ فالفراغ بوجود مسلحي “الحزب” واستقالة الدولة من واجبتها وتعهداتها كان قائماً في الجنوب. فما الذي يمنع تكرار الحالة نفسها اليوم؟ البعثة الأوروبية ستكون مؤلفة من قوات آتية من الدول عينها التي تعايشت من دون عناء مع الجنوب كمنصة إيرانية متقدمة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.
يتمسك “الحزب” باتفاق “وقف الأعمال العدائية” مع إسرائيل بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ويتمسك بوجود قوات دولية تابعة للأمم المتحدة. بمعنى آخر، يشعر الحزب أن الأمم المتحدة مناسبة له لكي يواصل تأدية وظيفته الإقليمية. لذلك يطالب بمرجعية الأمم المتحدة، ويرفض مرجعية “اتفاق الإطار الثلاثي”. فهلا يطرح المسؤولون اللبنانيون سؤالاً عن سبب تمسك الحزب بـ”اليونيفيل” أو أقله بقوات دولية عاملة تحت قيادة الأمم المتحدة؟
“الحزب” متمسك بوظيفته الأمنية – العسكرية، وبالتالي بسلاحه، حتى لو قبل في وقت من الأوقات حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني. فهو يراهن على عامل الوقت، وعلى سيطرته على الأرض بحيث يخطط لإعادة بسط سيطرته الواقعية على المنطقة، وبالتالي اختراقها أمنياً وعسكرياً، فيما يحتمي بوجود قوات دولية قد لا تختلف كثيراً عن قوات “اليونيفيل”. أكثر من ذلك يراهن الحزب المذكور على نفوذه في الدولة اللبنانية لكي يبقي على منسوب الصرامة في تطبيق القرارات الحكومية المرتبطة بسلاحه ووظيفتيه الأمنية والعسكرية منخفضاً للغاية كما هي الحال الآن. فالحكومة اتخذت قرارات تاريخيّة جريئة في 5 و7 آب/أغسطس 2025 بحصر السلاح بيد الدولة، وأيضاً في 2 آذار/مارس 2026 لجهة حظر نشاطات الحزب الأمنية والعسكرية. مع ذلك لم تترجم الحكومة القرارات إلى أفعال ملموسة. وهكذا بقيت القرارت حبراً على ورق. من هنا الخشية كل الخشية من أن يؤدي الالتفاف حول قرار إنهاء خدمات قوات “اليونيفيل” بنهاية العام الحالي، عبر إنشاء جسم عسكري أوروبي تحت مسمى بعثة، إلى إدامة هذه الصيغة التي تمنع قيام دولة حقيقية في لبنان.
عبثاً يحاول الأوروبيون وغيرهم البحث عن صيغ للتعايش مع منظمة عسكرية أمنية مثل “الحزب”، لأن الحزب المذكور لن يتغير، بل سيعمل على استغلال السذاجة السياسية والأمنية للأوروبيين، وفي الوقت عينه البناء على ميل القوى السياسية اللبنانية إلى التواطؤ ضد فكرة الدولة ومنطقها.
