صحيفة نداء الوطن – جو رحال
لم يكن اجتماع باريس التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الذي انعقد في قصر الأنفاليد في 17 أيلول، مجرد محطة جديدة في سلسلة اجتماعات دولية مخصّصة للبنان. فالتوقيت، والمشاركون، والملفات الموضوعة على الطاولة، جعلت منه محاولة فعلية للانتقال من سياسة المساعدات الظرفية إلى بناء قدرة الدولة اللبنانية على تولّي مسؤولياتها الأمنية كاملة، في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.
الاجتماع، المنعقد في إطار “مسار العقبة”، افتتحه رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وكندا ودول عربية والاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية، فيما حضر قائد الجيش العماد رودولف هيكل ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبدالله. والهدف العملي كان واضحًا: تحديد حاجات المؤسستين، تنسيق الجهات الداعمة، والتحضير لمؤتمر دولي يفترض أن يحوّل الالتزام السياسي إلى قدرات فعلية على الأرض.
الرئيس عون وضع المعادلة اللبنانية أمام المجتمعين بكلمات مباشرة: “لبنان واللبنانيون اختاروا الدولة”. وبالنسبة إليه، لا يقتصر هذا الخيار على موقف سياسي، بل يعني أن تكون المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها مسؤولة عن حماية السيادة والاستقرار، وأن يكون قرار الحرب والسلم وحمل السلاح من اختصاص الدولة. لذلك دعا إلى أن يخرج اجتماع باريس بخريطة طريق واضحة وجدول زمني محدد للمؤتمر الدولي المرتقب، رافضًا أن يبقى الدعم سلسلة مساعدات متفرقة أو حلول موقتة، ومطالبًا بشراكة طويلة الأمد تسمح للجيش وقوى الأمن بالتخطيط وبناء القدرات.
الأهم أن عون ربط الدعم الخارجي بمسؤولية لبنانية مقابلة. فأكد ضرورة الشفافية والمساءلة في استخدام المساعدات، واستعداد لبنان لاعتماد آلية تحدد الأولويات وتتابع تنفيذ التعهدات وتقيس نتائجها، مع إقرار بأن الدولة اللبنانية مطالبة، مع استعادة قدرتها المالية، بتحمّل حصة متزايدة من تمويل مؤسساتها العسكرية والأمنية. بذلك حاول الطرح اللبناني نقل العلاقة مع الدول المانحة من منطق الإغاثة إلى مفهوم الشراكة المؤسساتية.
وتزداد أهمية المسار مع اقتراب انتهاء العمليات الحالية لـ”اليونيفيل” في 31 كانون الأول 2026، قبل خفض عديدها وانسحابها المنظم خلال عام 2027 وفق قرار مجلس الأمن 2790. وهذا التحول يضع الجيش أمام مسؤوليات أوسع في الجنوب، ويجعل تفادي أي فراغ أمني أولوية لبنانية ودولية في آن.
من هنا جاء تركيز ماكرون على ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية، وعلى توفير الإمكانات التي تسمح للجيش بتولي الدور الرئيسي في الجنوب. ووفق ما نقلته الرئاسة اللبنانية عن مداخلته، أعلن أنه سيجري اتصالات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شأن احترام إسرائيل للتفاهمات القائمة، فيما شدد الملك عبدالله الثاني على ضرورة تمكين الجيش سريعًا، مشيرًا إلى حاجاته في مجالات المعدات وقطع الغيار ومواجهة المسيّرات والمراقبة الجوية وتأمين الحدود.
أما عون فربط نجاح المسار أيضًا بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بالجنوب من جميع الأطراف. وأكد أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والوجود الإسرائيلي في أراضٍ لبنانية، وفق الموقف اللبناني، يعرقل استكمال تثبيت الاستقرار، مطالبًا الشركاء الدوليين بالتعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه كمبدأ ثابت.
حتى الآن لم يُعلن موعد نهائي للمؤتمر الدولي، والخارجية الفرنسية تؤكد أن انعقاده سيتم عندما تتوافر الظروف المناسبة، فيما أشار الملك الأردني إلى محطة متابعة أخرى قبل نهاية العام لتقييم ما تحقق. لذلك، فإن اختبار باريس الحقيقي لن يكون في البيانات، بل في القدرة على تحويل خريطة الاحتياجات إلى تعهدات مستدامة: تدريب، تجهيز، مراقبة حدود وأجواء، مكافحة مسيّرات، دعم لوجستي وتقني، وتحسين قدرة المؤسسات على الانتشار والاستمرار.
اجتماع باريس، بهذا المعنى، يتجاوز دعم مؤسسة عسكرية بعينها. إنه اختبار لقدرة لبنان وشركائه على جعل استعادة سلطة الدولة مشروعًا قابلا للتنفيذ لا شعارًا سياسيًا. وقد لخّص عون استعجال اللحظة بقوله: “هذه لحظة قرار، لا لحظة انتظار”. فإذا تحولت التحضيرات إلى مؤتمر ناجح والتعهدات إلى قدرات فعلية، يكون باريس قد وضع إحدى اللبنات الأساسية في انتقال لبنان من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات دولة قادرة على حماية أمنها وسيادتها بنفسها.
