صحيفة نداء الوطن – أمجد اسكندر
أخطر ما يمكن أن يواجه العهد ليس هجوم خصومه، بل أن يبدأ الذين راهنوا عليه بطرح السؤال: إلى متى هذه المراوحة؟
إلى متى تبقى حصرية السلاح عنوانًا معلنًا من دون أن تتحول إلى مسار واضح، وآليات تنفيذ، ومهل زمنية؟ وإلى متى يُطلب من اللبنانيين الانتظار، فيما تتراكم الأعباء الاقتصادية والأمنية، ويتآكل هامش الأمل بمستقبل أفضل؟
التصعيد الحوثي المتجدد في البحر الأحمر والمنطقة يؤكد أن الجبهة الإقليمية لا تتجه نحو التهدئة، وأن الرهان على أن تأتي التسويات الخارجية وحدها بحل لمسألة سلاح “الحزب” قد يطيل الانتظار أكثر مما يختصره. وفي المقابل، لا تزال الرؤية التنفيذية للدولة في حاجة إلى إجابات واضحة عن أسئلة أساسية: ما الخطة؟ وماذا يحدث إذا استمر الرفض؟ ومتى تنتهي سياسة الاستمهال؟
المشكلة أن المشهد يوحي، أحيانًا، بأن العهد والحكومة باتا أقرب إلى إدارة الأزمة منهما إلى قيادة مسار حلها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل سيكون التحرّك بعد سنة أكثر سهولة مما هو عليه اليوم؟ وهل تصبح الظروف بعد ستة أشهر أكثر ملاءمة بالضرورة؟ أم أن كل تأخير يضيف إلى المشكلة طبقة جديدة من التعقيد، ويضيّق هامش الخيارات، ويرفع كلفة المعالجة؟
في هذه المعادلة، الوقت نفسه أصبح جزءًا من المواجهة.
“الحزب” يراهن على متغيرات في إسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة، وعلى أن تحمل التطورات الخارجية ما يخفف الضغوط عليه أو يعيد خلط الأوراق. ويراهن داخليًا على عامل آخر: أن تستفحل الأزمة الاقتصادية، ويتراجع زخم العهد، ويتحول الأمل الذي رافق انطلاقته إلى تململ، ثم إلى غضب على السلطة نفسها.
وفي المقابل، تبدو الدولة كأنها تراهن بدورها على الوقت، وعلى مزيد من الضعف السياسي والعسكري للحزب، وعلى الضغوط الخارجية، وعلى تطورات إقليمية قد تضيّق خياراته وتدفعه إلى التراجع.
ومن المآزق التي جرّت الدولة نفسها إليها ما تسرّبه في الإعلام والأوساط الدولية من مطالبة واشنطن بالضغط أكثر على إسرائيل، على قاعدة: “أعطونا بعد لنستطيع أن نتحرك أكثر”. في حين باتت واشنطن مقتنعة بأن الدولة تريد أن تأكل العجّة من دون تكسير البيض.
اللبناني الذي يراقب راتبه يتآكل ومستقبل أولاده يضيق، لا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية.
فالاقتصاد والسيادة ليسا ملفين منفصلين. ولا نهوض اقتصادي مكتمل من دون دولة تمتلك قرارها وتفرض القانون على كامل أراضيها.
تجنّب الفتنة واجب، والتدرج قد يكون ضرورة، ومنع الانزلاق إلى صدام داخلي مسؤولية وطنية كبرى. لكن التدرج لا يعني الدوران في المكان. التدرج يحتاج إلى سقف زمني محدد. وإلا تحولت إدارة الأزمة إلى آلية تسمح باستمرار الأزمة نفسها.
لقد جاء هذا العهد وهذه الحكومة في أعقاب تحولات سياسية واستراتيجية كبيرة. لكن المفارقة أن بعض أدوات المعالجة لا تزال تبدو كأنها تنتمي إلى المرحلة التي سبقت تلك التحولات: إدارة للتوازنات القديمة، ومراعاة للمحظورات القديمة، وبحث عن الحلول داخل الشروط نفسها التي صنعت الاستعصاء طوال عقود.
وهنا تكمن المعضلة.
لا يمكن كسر استعصاء عمره عشرات السنوات بالأدوات نفسها التي حافظت عليه. ولا يمكن بناء الدولة الجديدة بعقلية “الدولة القديمة”، تلك الدولة التي نشأت بسببها “الدولة العميقة” التي نسجها الفصيل الإيراني ونظام آل الأسد.
هناك منظومة متجذرة في الإدارة والسياسة، وهناك ثقافة حكم اعتادت التسويات المؤقتة، وتأجيل المواجهات، وترحيل الملفات من استحقاق إلى آخر. وهذه العقلية أثبتت، على مدى سنوات طويلة، عجزها عن إنتاج دولة قادرة على حماية قرارها ومؤسساتها واقتصادها.
لذلك، المطلوب مؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وسياسة تخاطب اللبنانيين بالحقيقة بدل إبقائهم في غرفة الانتظار.
وهذا الاستعصاء، الذي عمره عشرات السنوات، لا يمكن كسره تحت وطأة الخوف من التوازنات. “الحزب” لم يتردد في إطاحة التوازن الوطني تحقيقًا لمآربه، لذا على الدولة أن تتحرك وفق رؤية إنقاذ خلّاقة مهما كان الثمن. ولأنها المؤتمنة على مصير كل اللبنانيين، فهي قادرة على إعادة ترتيب هذا التوازن الضروري بعد تفكيك المنظومة التي تسببت بكل هذا الانهيار السياسي والاقتصادي على مدى نصف قرن.
آن أوان التخلص من هاتين “الدولتين”: العميقة والقديمة، والخروج عليهما من خلال قرار عماده “رؤية خلّاقة”، وإلا فإن تسارع الأحداث سيعيدنا إلى نقطة الصفر، وعندها ستُفتح أبواب خيارات أخرى.
