#adsense

خاص ـ حرية خلف القضبان.. المواجهة السيادية وزنزانة الفداء (شادي الياس)

حجم الخط

في فلسفة القيادة، هناك لحظة يدرك فيها القائد أن حريّته الشخصية قد تكون العائق أمام حرية شعبه، وأنّ بقاءه خارج السجن قد يعني زوال القضية وموت الرفاق. يمثّل الدكتور سمير جعجع الحالة الأعمق لمفهوم القيادة بالفداء، حيث يتحوّل القائد إلى ترس يحمي الجماعة من الاندثار عبر قبول التغييب القسري.

في العام 1994، لم يكن قرار البقاء في لبنان ودخول السجن مجرّد فعل شجاعة، بل كان خيارًا بين موت الجماعة أو سجن القائد. أدرك جعجع أنّ المنفى يعني الهروب السياسي وانحلال المؤسسة، فاختار الزنزانة لتظل القضية حيّة. أثبتت التجربة أنّ “القوات اللبنانية” ظلّت نابضة بقلوب المناضلين ومستمرة بغياب رأسها، فالقائد الذي يتحوّل إلى مستوعب للصدمات أمام شعبه، يمنح قضيّته قدسيةً تجعل الأتباع يتشبّثون بها كإيمانٍ وجودي لا يتزعزع.

على مدار 11 عامًا وثلاثة أشهر، نجح جعجع في تحويل السجن من أداة للتحطيم إلى مدرسة للصمود. في تلك العزلة، تغلّب مفهوم الهوية وتجذّر فيه، فمنح الجماعة في غيابه وجهة نضالية يتجهون إليها في ليل الاضطهاد، لقد أثبت أنّ السيادة تبدأ من سيادة القائد على إرادته داخل زنزانة ضيقة تحت الأرض، ليكون جديرًا بقيادة إرادة الملايين في الساحات الواسعة.

خلافًا للتوقعات، لم تخرج “القوات اللبنانية” من حقبة السجن منهكة، بل خرجت كأكثر حزب منظّم في تاريخ لبنان الحديث. وهذا هو نجاح المؤسسة التي صمدت بفضل الولاء الفكري العميق. القائد العظيم هو من يبني مؤسسة تتنفس تحت الأرض وتستطيع العيش من دون هواء السلطة. فالوضوح السياسي والثبات على المبدأ هو الذي يبني الأحزاب العابرة للأجيال.

على الرغم من صلابة الموقف المبدئي، أظهر جعجع قدرة استثنائية على اتخاذ قرارات كبرى غيّرت مسار التاريخ، فالقوة ليست في التصلّب الأعمى، بل في الحفاظ على الجوهر مع امتلاك مرونة التكتيك. إنّ التحدي الحقيقي ليس في الصمود حين تصفّق لك الجماهير، بل في الحفاظ على تماسك الفريق وأنت في السجن. لقد دفع سمير جعجع ثمن حريته ليشتري زمن البقاء لشعبه، من هنا، لم تكن الزنزانة نهاية الطريق، بل كانت الدعامة الأقوى في بناء الكيان الحديث.

لم تكن لحظة خروج سمير جعجع من المعتقل في العام 2005 مجرد نهاية لاعتقال جسدي، بل كانت انطلاقة لنموذج قيادي جديد، المواجهة السلمية الشرسة. انتقل جعجع من مقاومة البقاء تحت الأرض إلى مقاومة استرداد الدولة لفوقها، مواجهًا مشروعًا إقليميًا مسلحًا بصدور عارية وقرار سيادي لا يعرف التردد.

في علم القيادة، التردد هو القاتل الأول للهيبة. أثبت جعجع أن القائد الحقيقي هو من يحدد الخطوط الحمر التي لا تُباع ولا تُشترى، فمواجهة السلاح لم تكن بالنسبة اليه خيارًا سياسيًا، بل ضرورة كيانية.

جرأة القول في زمن الصمت حولته إلى مرجع لكل من يرفض الذمية السياسية. وبدلًا من الانجرار إلى منطق الميليشيا، اختار بناء أقوى حزب سياسي منظم في لبنان، واجه فوضى السلاح بنظام المؤسسة. فالناس لا تتبع القوي فقط، بل تتبع الواضح والمستقيم، وهذا النموذج في القيادة اسمه الاستقامة التنظيمية. يقوم هذا النهج على الرفض، فالقائد لا يتراجع خطوة واحدة في ملفات السيادة، متبنيًا مبدأ أن الحق الذي وراءه مطالب لا يموت. هذه الجرأة علّمت الأجيال أن القائد هو من يكسر وهم القوة عند الخصم من خلال ثباته. الشجاعة هنا ليست غياب الخوف، بل هي الإيمان بأن الحقيقة أقوى من الترهيب، وأن الجبل الذي لم ينكسر للماليك، لن ينحني اليوم أمام أي وصاية.

إقرأ أيضًا

من كتاب “القيادة”

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل