#adsense

خاص ـ الحصار الدبلوماسي يبدد “رمادية” بيروت (أمين القصيفي)

حجم الخط

تتجاوز التطورات الدبلوماسية المتلاحقة في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك النقاشات التقليدية حول الأزمات الإقليمية، لتضع المنظومة السياسية في بيروت أمام واقع مكشوف لم يعد يتيح أي هوامش للمناورة المعتادة أو الهروب إلى الأمام. ومع التدفق السريع لبرقيات الرصد الدبلوماسي، تبدو الرسائل الدولية الموجهة إلى الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي أكثر حزماً من أي وقت مضى.

عواصم القرار انتقلت من مرحلة تقديم النصائح الودية والمساعدات غير المشروطة للدولة، إلى مرحلة فرض شروط بنيوية قاسية ترتبط مباشرة بمدى قدرة مؤسسات الدولة الشرعية وقواها الأمنية الذاتية على إثبات حضورها الحصري والكامل على الأرض، وبسط سيادتها المطلقة من دون شراكة أو مواربة أو تلكؤ، لتصبح المظلة الدولية المتاحة للبنان معلقة بالكامل على قرارات سيادية شجاعة وجريئة “تُنفَّذ” وتتجاوز منطق المسايرة وتدوير الزوايا الذي ساد طوال العقود الماضية.

هذا التحول الجذري في المقاربة الدولية يظهر بوضوح في أروقة مجلس الأمن، حيث لم تعد العواصم الكبرى تتقبل فكرة بقاء لبنان في “المنطقة الرمادية” أو الاعتماد على التعهدات الشفهية والوعود السياسية الفضفاضة التي لم تعد تحظى بأي تفهم خارجي؛ فالنقاشات القائمة خلف الكواليس بشأن صياغة “المرحلة الانتقالية” وتفويض القوات الدولية في الجنوب، تشير إلى انسداد حقيقي، إذ يربط المجتمع الدولي أي تمديد تقني قصير أو طرح صيغ بديلة لـ”اليونيفيل” بآليات رقابة وشفافية صارمة تضمن حظر أي تمدد عسكري خارج إطار الشرعية.

هذا ما أبلغته عواصم القرار صراحة للوفد اللبناني، بحسب المعلومات الواردة من نيويورك، بالقول إن زمن المناورات قد انتهى إلى غير رجعة، وأن أي محاولة لإبقاء الوضع الميداني على ما هو عليه ستعني رفع الغطاء الدولي والاحتضان المالي واللوجستي للبنان إلا في الحدود الدنيا بما لا يؤدي إلى الانفجار الواسع، ما يهدد بترك الهيكل المؤسساتي اللبناني وحيداً في مواجهة العواصف الميدانية والاقتصادية المتصاعدة التي تلتهم مقومات صمود اللبنانيين اليومية.

أمام هذا الواقع المفصلي، تجد الحكومة اللبنانية نفسها مطالبة باقتران مواقفها النظرية بخطوات عملية ملموسة وقابلة للتحقق على الأرض، خصوصاً وأن قطار الإنقاذ المالي والتعافي الإعماري الموعود بات مرتبطاً بشكل شرطي بمدى التزام الدولة بتنفيذ مندرجات القرارات الدولية وفرض سلطة القانون بقواها الشرعية الرسمية؛ فطبيعة اللقاءات المكثفة الحاصلة والترقب السائد لما ستسفر عنه الساعات المقبلة يعكسان حقيقة واحدة؛ وهي أن المجتمع الدولي لن يقبل بتمويل منظومات موازية أو تغذية العجز الإداري القديم، بل إن الدعم المالي والعسكري سيكون موجهاً حصراً لتعزيز قدرات الدولة الشرعية من دون سواها.

لذلك، إذا لم تبادر السلطة السياسية في بيروت إلى إنهاء حالة التردد والتلكؤ واتخاذ قرارات حاسمة تؤكد فيها مرجعيتها الأحادية والكاملة في السلم والحرب، فإن لبنان سيبقى متروكاً لمواجهة مصيره منفرداً أمام مقصلة الانهيار الشامل والانسداد السياسي الذي يكاد يقتلع ما تبقى من ركائز الاستقرار الوطني.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل