Site icon Lebanese Forces Official Website

سوريا في الجمعية العامة للأمم المتحدة!

صحيفة النهار – علي حمادة

 

يعتبر عدد كبير من المراقبين في نيويورك أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو نجم الجمعية العامة للأمم المتحدة، ونجم الفعاليات المصاحبة لاجتماعاتها، كما أنه محط اهتمام للإعلام الأميركي ومراكز الدراسات.

 

بالطبع، لا يمكن إغفال مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يرافقه وزير الخارجية عباس عراقجي، في ظرف شديد التعقيد، حيث لا يزال شبح الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يهيمن على كل ما يتصل بمنطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن الجانب الاقتصادي المرتبط بقضايا الطاقة.

لكن مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع لها جانب آخر متصل أيضاً بملفات ساخنة في المنطقة، من بينها عودة سوريا إلى المسرح الدولي، باعتبار سوريا نقطة محورية على خريطة الشرق الأوسط، وقد شكلت بسقوط النظام السابق الضربة التي قصمت ظهر النفوذ الإيراني المتجذر في المنطقة العربية، وأذنت ببدء انهيار النفوذ الإيراني في المشرق العربي، خصوصاً أن سقوط النظام في سوريا كان النقطة التي انطلقت منها الحروب ضد إيران نفسها، بدءاً من حزيران/يونيو 2025 مع حرب الأيام الـ 12 مع إسرائيل وصولاً إلى الحرب الحالية التي – وعلى الرغم من أنها تمرّ بمراحل من التهدئة النسبية – يستحيل القول إنها انتهت. إنها حرب عالقة.

 

التغيير العميق في سوريا فتح الباب على التغيير العميق في بلاد الشام. فلبنان الذي تلقت فيه ذراع إيران الأهم في المنطقة، أي “الحزب”، ضربة كبرى من إسرائيل خلال حرب الأيام الـ 66، خريف العام 2024، ما كان ليستقرّ فيها المنحى التغييري لولا التغيير العميق في سوريا. بمعنى آخر: إنه لولا انهيار النظام السوري السابق وحلول حكم جديد مكانه مصطفّ في المعسكر العربي-الغربي، لاستعاد “الحزب ” عافيته العسكرية، والأمنية، والسياسية، والمالية، ولعاد رأس حربة إيرانية كما كان عليه الحال قبل الحرب مع إسرائيل.

التحول في سوريا ونتائجه الجيوسياسية يفسر اهتمام العالم بسوريا اليوم، والاستعداد لدعم القيادة السورية الحالية، وربط سوريا الجديدة بالبحث عن حلول لأزمات المنطقة، وتحديداً في قطاع الطاقة.

على سبيل المثال: يشكل الالتفاف حول مضيق هرمز، والاستغناء جزئياً عنه، مدخلاً نموذجياً لدخول سوريا نادي النفط والغاز، لا باعتبارها بلداً منتجاً، بل باعتبارها معبراً ومحطة لتصدير النفط والغاز من المنطقة إلى أوروبا والعالم. فسوريا بوضعها الحالي مرشحة لتكون المسار الذي سيخفض من أهمية مضيق هرمز عبر مدّ أنابيب نفط وغاز عبرها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، تخفيفاً للاعتماد على مضيق هرمز وبشكل أقلّ على باب المندب مع عودة الابتزاز الأمني الإيراني بواسطة الحوثيين في اليمن.

 

كل ما يحصل اليوم في الشرق الأوسط على الأصعدة الأمنية والعسكرية والاقتصادية يشكل فرصة كبيرة لسوريا لتلتقطها وتندفع إلى لعب دور مركزي في الإقليم؛ بذلك تتقدم سوريا في هذا المسار الرابط بين الشرق والغرب على لبنان الذي لعب عبره دوراً مركزياً منذ خمسينيات القرن الماضي. هذا الدور فقده لبنان مع اشتعال الحرب في العام 1975، وفشل في استعادته، لأن الساحة كانت طعماً لنار الحرب، ثم تحول لبنان إلى محمية للنظام السوري السابق، ثم وضعت إيران يدها عليه بواسطة “الحزب” الذي نجح بسلخ لبنان عن بيئته العربية والإقليمية، فتحول لبنان إلى منصة أمنية – عسكرية إيرانية متقدمة على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

 

اليوم، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع أن يستغل أي فرصة سانحة لوضع سوريا على الخريطة الاقتصادية والسياسية في المنطقة. ويحاول أن يقدم نموذجاً مقبولاً للمجتمع الدولي لجذب استثمارات مالية واقتصادية، واقتناص دور محوري للتخفيف من ابتزاز طهران. إنه دور تحتاجه المنطقة ما دام النظام الحالي قائماً في إيران. من هنا، فإن اهتمام العالم بسوريا يشهد تنامياً كبيراً يلاحظه المراقبون والمتابعون لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك والفعاليات التي تدور حولها.

 

بالنسبة إلى لبنان، الموضوع مختلف. فالتغيير بدأ مع هزيمة “الحزب” العسكرية، وبالتالي هزيمة المشروع الإيراني فيه؛ ومع انتخاب الجنرال جوزف عون رئيساً للجمهورية، وترؤس السفير نواف سلام الحكومة الجديدة. لكن التغيير المذكور ليس تاماً. فالتركيبة اللبنانية الداخلية أكثر دقة من التركيبة السورية على تنوعها، و”الحزب” لا يشبه نظاماً كنظام الأسد تمت الإطاحة به وخرج من المعادلة. إنه تنظيم أمني-عسكري مغلف بحزب عقائدي مذهبي يرتكز على جمهور كبير نسبياً يلتفّ حوله. كذلك، فإن الحزب المذكور لا يزال يمتلك قدرات عسكرية قد لا تهدد إسرائيل استراتيجياً، لكنها تهدد الداخل اللبناني وجودياً.

ومن هنا يبرّر الحكم اللبناني تردّده في ترجمة وعوده بشأن “حصر السلاح” بيد الدولة إلى أفعال. ويعزو الحكم في لبنان التردد إلى خشيته من نشوب حرب أهلية.

عملياً، يخضع الحكم لابتزاز يمنع تحرّر لبنان التام من دوره كمنصة إيرانية. هذا ما يفسّر أن رئيس الحكومة نواف سلام، ومعه وزير الخارجية يوسف رجي (يتمتعان باحترام في المجتمع الدولي) لم يحظَيا خلال مشاركتهما في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقدر عينه من الاهتمام الذي حظي به الرئيس السوري.

Exit mobile version