
يدخل “لبنان اليوم” مرحلة تتجاذب فيها مصيره رؤيتان مختلفتان جذريًا: الأولى تتجسّد في الحراك الذي يقوده رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي بين نيويورك وواشنطن، في محاولة لإعادة تثبيت الاستقرار اللبناني وتحصينه عبر شبكة من العلاقات الدولية والعربية. أما الثانية، فتتمثّل في خطاب الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم وما يعكسه من توجّه يدفع بما تبقّى من الجنوب نحو مزيد من المخاطر، وربطه مجددًا بمحور إقليمي يمتد من “الحرس الثوري الإيراني” إلى الحوثيين وسائر قوى “الممانعة”.
في هذا السياق، أشارت مصادر أميركية لـ”نداء الوطن”، إلى أن هناك توافقًا غير مسبوق بين واشنطن وبيروت حول صيغة واحدة للسيادة: دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة مركزية تحتكر قرار الحرب والسلم. وتؤكد المصادر أن الرسالة الأميركية واضحة: كل دعم دبلوماسي أو عسكري أو اقتصادي للبنان بات مرتبطًا باستعادة الدولة سلطتها، ومنع بقاء لبنان ساحة للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
وترى المصادر، أن أهمية اللحظة تكمن في تبلور شبه إجماع، للمرة الأولى، بين واشنطن والحكومة اللبنانية والدول العربية والمجتمع الدولي، حول معادلة مفادها أن السيادة لا تكتمل ما دامت هناك جهة عسكرية غير حكومية تملك قرار الحرب. ولا تدّعي الإدارة الأميركية أن تفكيك ترسانة “الحزب” ممكن بين ليلة وضحاها، إلا أنها تشدد على أن أي خطة جدية لإنعاش لبنان لا يمكن أن تتجاوز هذا الملف أو تؤجله إلى أجل غير مسمى.
وتشمل محادثات واشنطن أيضًا ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما الحدود الجنوبية والوجود العسكري الإسرائيلي، فضلاً عن مستقبل الانخراط الأميركي في لبنان. ومن المتوقع أن يشدد سلام على ضرورة استمرار الدور الأميركي وفاعليته، سواء في مواكبة المسار التفاوضي أو في دعم لبنان خلال مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. كما يحضر الملف الاقتصادي بقوة، إذ تشير الاجتماعات المقررة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن التعافي المالي والإصلاحات والمساعدات الخارجية ستكون جزءًا أساسيًا من برنامج الزيارة.
وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع المستوى لـ”نداء الوطن”، إن الاتصالات المرتقبة مطلع الشهر المقبل يُفترض أن تعيد تحريك المسار الدبلوماسي وصيغة الإطار، لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستوى عسكري أخطر.
لكن، فيما تسابق الدبلوماسية الوقت من واشنطن، تتحرك عقارب الميدان في الاتجاه المعاكس. إذ تكشف مصادر دبلوماسية أميركية لـ”نداء الوطن”، أن مرحلة ما بعد معركة علي الطاهر تشكّل منعطفًا خطيرًا في مسار المواجهة على الجبهة الجنوبية. وبحسب المصادر، تشير التقديرات إلى قرار إسرائيلي بتوسيع نطاق العمليات نحو إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان، وصولاً إلى البقاع الغربي، في مسعى لفرض حزام أمني يمتد إلى جنوب سوريا وجبل الشيخ. وتربط المصادر خطورة هذا السيناريو بتعثّر مسار حصر السلاح، محذّرة من أن اتساع رقعة العمليات قد يجرّ لبنان إلى حرب تطال مناطق لم تدخل حتى الآن مباشرة في دائرة المواجهة.
أما بحسب “النهار”، فإن مناخات التصعيد تحاصر اللقاء الذي يعوّل عليه لبنان اليوم بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن؛ التي انتقل إليها سلام لإنجاز الجولة الثانية من لقاءاته. ويُعقد لقاء سلام وروبيو وسط تطلّعات الجانب اللبناني إلى ممارسة واشنطن أقصى الضغوط الممكنة على إسرائيل للحؤول دون قيامها بتوسيع المنطقة الأمنية في الأسابيع المقبلة، وسط شلل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية و”الإطاحة” بالجولة الثامنة منها إلى ما بعد تشرين الأول، على خلفية الحسابات الانتخابية المحمومة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت لا يأمن لبنان أيضاً احتمال تسبّب توسيع العمليات الإسرائيلية نحو إقليم التفاح وتلال الريحان بردّ فعل من “الحزب”، بما قد يشعل مواجهة واسعة جديدة.
أما الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، فلم يجد في ذكرى اغتيال زعيمه سوى الخطاب الخشبي الذي يهاجم السلطة ويتعنّت في الارتباط بإيران ومساراتها، وذهب إلى التهويل على العيش المشترك بزعم الاستسلام لإسرائيل.
