.jpg)
كتب الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي:
“هل انقلب فعلاً تحالف “6 شباط 2006” بين “الحزب” و”التيار العوني” إلى تخاصم وتصادم “2026”؟
في الواقع، تنطبق عليهما المعادلة المعروفة: “إذا اتفقا تقاسما المحصول واذا اختلفا أفسدا الزرع”، فحين وقّعا “تفاهمهما” دشّنا المعادلة الخطيرة التي حكمت لبنان عقدين من الزمن، وهي “تحالف السلاح والفساد”، فدمّرا ما كان قد تبقّى للبنان من هامش القرار السيادي والسياسة الحرة، ومن فرص العافية الاقتصادية والاستقرار الأهلي والاجتماعي.
لقد تقاسما محصول المغانم والمنافع في الحكومات التي شكّلاها ما بين 2008 و2022، وسيّبا السيادة لمصلحة “وحدة الساحات” وغزوات الداخل و”حروب الإسناد”، وأنهكا الدولة بكل مؤسساتها، والمجتمع بجميع مكوّناته، والاقتصاد بكل قطاعاته، والقضاء والأمن والإدارة بكل أجهزتها.
والآن، هما يحاولان بخلافهما النظري إفساد ما حاولت الدولة الجديدة إصلاحه، خصوصاً على مستوى استرجاع القرار السيادي وحصر السلاح في المؤسسات الشرعية، وإفساد السياسة بخطابهما الهابط والمتخبّط في اتهامات التخوين والتفشيل وتحميل سواهما ما ارتكباه من موبقات الاستباحة الأمنيّة والنهب المنظّم عبر الصفقات والتهريب.
ولكن، هل هما مختلفان متصارعان في العمق؟
في الأساس، كان تحالفهما على قاعدة تبادل المصالح الذاتية، وليس على قاعدة المصلحة الوطنية، وتحت معادلة: غطّيلي سلاحي أغطّيلك مكتسباتك السياسية والانتخابية والمالية، إلى درجة تعطيل الحكم سنوات لفرض رؤساء ووزراء وتعيينات ومراكز قوى.
وطالما أن المصالح، لا المبادىء، تجمعها أو تفرّقهما، فإنهما قادران على تناسي مسبّبات تنافرهما الطارىء، واستعادة تحالفهما في أي لحظة، خصوصاً في الاستحقاقات الانتخابية، إذ يبتلعان ألسنتهما، وتجمعهما المصيبة في مواجهة القوى السياسية ومواقع السلطة السيادية.
وحقيقة هذين الحليفَين اللدودَين تكمن في اللغم الخطير المنصوب في البند العاشر من “ورقة تفاهمهما”، والذي يتضمّن تسليماً كاملاً من قبل “التيار العوني” بوظائف سلاح “الحزب” تحت عنوان “حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته”! الأمر الذي ربط لسان قيادة “التيار” من المورث إلى الوريث عن توجيه أي نقد أو عتب أو لوم إلى تورّط “الحزب” في حرب تموز 2006 وغزوات الداخل 2008 والحرب السورية بعد 2012 وحربَي “الإسناد” 2023 – 2026.
وحتى اليوم، ورغم تصاعد النفور الكلامي بينهما، لم يخرج “التيار” من ورطة تغطيته الخطّية سلاح “الحزب”، ويلاحظ الجميع كيف يستخدم لغة ملتبسة في خطابه عن هذا السلاح، ويغلّف معارضته ل”الإسناد” بالهروب إلى المقولة الخشبية عن الاستراتيجية الدفاعية، متفادياً الدعم الصريح لقرارات الدولة في حصر السلاح وحظر انشطة “الحزب” العسكرية والأمنيّة.
صحيح أن أصواتاً من بيئة “الحزب” دانت التصريحات الأخيرة لرئيس “التيار” الذي أدلى بعبارات رديئة ضدّها (إحداها لم يدرك معناها الحقيقي: مكحكحين، وهي تعني أصحاب خبرة طويلة، وكان يقصد كحيانين بمعنى فقراء ومعدومين، وهذا أسوأ ما يُصيب أي سياسي لا يفقه معنى عباراته).
هذه الأصوات كانت لتنفيس الاحتقان على سبيل “فشّة الخلق”، بينما التزمت القيادة الرسمية الصمت، لعلمها أن المرحلة المقبلة ستًعيد ترميم ما انكسر وربط ما انقطع.
ولأن المقولة المعروفة “لا خصومات دائمة في السياسة بل مصالح دائمة” ليست قاعدة ثابتة،
ولأن زمن المبادىء والأصول والقيَم لم ينتهِ بعد،
فإن بناء العلاقات على أساس المركانتيلية المصلحية فقط، معرّض للسقوط مهما طال الوقت، وهذا ما يعانيه طرفا “تفاهم 6 شباط”،
صحيح أنهما تقاسما المحصول والأرزاق والأعناق سنواتٍ مديدة، لكنهما عاجزان عن إفساد الزرع الجديد في لبنان الجديد.