Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ من أزمة تصريف إلى مشروع وطني مستدام.. أنقذوا مواسم التفاح (تادي عواد)

التفاح

كل عام، مع اقتراب موسم القطاف، تتكرر أزمة التفاح اللبنانية: إنتاج كبير، أسعار متدنية، كلفة زراعية مرتفعة، صعوبات في التصدير، وأسواق خارجية غير مستقرة. فتبدأ المطالب بفتح الأسواق أو دعم التصدير أو شراء جزء من المحصول، ثم ينتهي الموسم وتختفي الأزمة لتعود في العام التالي.

هذه المعالجات قد تخفف الخسائر مؤقتًا، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.

المطلوب اليوم الانتقال من سياسة “تصريف موسم التفاح” إلى بناء منظومة وطنية دائمة لإنتاج التفاح وتخزينه وتصنيعه وتسويقه وتصديره.

المشكلة ليست في كمية التفاح بل في كيفية إدارتها. فالتفاح ليس مجرد فاكهة طازجة يجب بيعها خلال أسابيع قليلة، بل مادة أولية لصناعات غذائية متعددة.

لذلك من الضروري فرز الإنتاج منذ البداية وفق الجودة والاستخدام: الثمار الأعلى جودة للسوق الطازج والتصدير، والباقي، متى استوفى شروط السلامة الغذائية، يوجّه إلى التخزين أو التصنيع.

بهذه الآلية لا تدخل كامل الكميات إلى السوق في الوقت نفسه، ولا يبقى المزارع تحت ضغط البيع بأي سعر قبل تلف محصوله.

 

الصناعة جزء أساسي من الحل

من الضروري التفكير بتحويل جزء من إنتاج التفاح إلى عصير طبيعي، نكتار، مركزات عصير، خل، هريس للصناعات الغذائية، تفاح مجفف ورقائق تفاح معبأة، إضافة إلى المربيات ومنتجات المخابز والحلويات.

وهنا تتحول الثمار التي قد تكون منخفضة القيمة في سوق الفاكهة الطازجة، إلى مادة أولية ذات قيمة اقتصادية.

لكن المطلوب ليس إنشاء مصنع عشوائي لمنتج واحد، بل بناء سلسلة تصنيع متكاملة تستوعب درجات مختلفة من التفاح وتحولها إلى منتجات يوجد عليها طلب حقيقي.

 

خلية عمل تبدأ من السوق

قبل شراء أي خط إنتاج أو استثمار ملايين الدولارات في المصانع، على المعنيين تشكيل خلية عمل مهمتها الأولى طرق أبواب مصانع العصير والمشروبات والصناعات الغذائية في لبنان، والتواصل بالتوازي مع الأسواق والمستوردين في الخارج، لمعرفة احتياجاتهم الفعلية.

نريد قاعدة بيانات تجيب بوضوح عن الأسئلة الأربعة التالية:

ماذا يحتاج السوق؟ كم يحتاج؟ بأي مواصفات؟ وبأي سعر؟

هذه الأرقام، لا التخمينات، يجب أن تحدد نوع المصانع التي نحتاج إليها وحجم خطوط الإنتاج وقدرتها.

لا نشترِ المصانع ثم نبحث عن الأسواق، وهذا هو المبدأ الاقتصادي الأهم في المشروع.

إذا أثبتت الدراسة وجود طلب مستدام على مركز عصير التفاح، تُعطى الأولوية له. وإذا كان الطلب أكبر على الهريس أو التفاح المجفف أو الرقائق Chips أو الخل، تتجه الاستثمارات إلى هذه المنتجات.

 

خريطة وطنية للإنتاج والطلب

بالتوازي، يجب إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تحدد المساحات المزروعة، الأصناف، كميات الإنتاج، مواعيد القطاف، قدرات البرادات، إمكانات الفرز والتوضيب، ونسب المحصول المناسبة للسوق الطازج والتصدير والتصنيع.

عندها يمكن وضع خريطتين أمام بعضهما:

ماذا ننتج؟ وماذا يحتاج السوق؟

والفارق بينهما هو الذي يحدد حاجتنا الفعلية إلى البرادات والمصانع ومراكز التوضيب والنقل والاستثمار.

 

مراكز متكاملة في مناطق الإنتا

الحل المستدام يحتاج إلى شبكة مراكز إقليمية وفق حجم الإنتاج وكلفة النقل، تضم بحسب حاجة كل منطقة: الاستلام والوزن والفرز والغسل والمعايرة، التخزين المبرد، التوضيب للسوق المحلي والتصدير، ووحدات التصنيع المناسبة.

بهذا يصبح للمحصول مسار اقتصادي واضح منذ خروجه من البستان حتى وصوله إلى المستهلك أو المصنع أو السوق الخارجية، بدل أن يبقى المزارع وحيدًا في مواجهة مشكلة البيع بعد القطاف.

 

من البيع الموسمي إلى الزراعة التعاقدية

الهدف التالي أن يعرف المزارع قبل القطاف أين سيذهب جزء أساسي من محصوله. يمكن للمصانع والمصدرين ومراكز التوضيب والتعاونيات التعاقد مسبقًا مع المزارعين وفق كميات ومواصفات وآليات تسعير واضحة.

وهكذا ينتقل القطاع من البيع تحت ضغط الوقت إلى التخطيط المسبق، فيما تعرف المصانع بدورها حجم المواد الأولية المتاحة وتستطيع التعاقد على منتجاتها مسبقًا.

 

الاستثمار في الحل بدل تمويل الأزمة

بدل إنفاق الأموال كل عام لمعالجة الأزمة بعد وقوعها، يجب توجيه التمويل إلى أصول تبقى لعشرات المواسم: برادات حديثة، مراكز فرز وتوضيب، مصانع، مختبرات، أنظمة جودة وتتبع، نقل مبرد وقدرات تسويقية وتصديرية.

ويمكن بناء ذلك من خلال شراكة بين القطاع الخاص والتعاونيات والمستثمرين والمؤسسات التمويلية والدولة والجهات الدولية المعنية بالتنمية الزراعية.

 

الدولة تنظّم وتفتح الطريق ولا تتحول إلى تاجر تفاح

ليس المطلوب أن تشتري الدولة المحصول كل سنة، بل أن تبني البيئة التي تجعل القطاع قادرًا على تسويق بنفسه.

دورها هو وضع الاستراتيجية، توفير البيانات، تسهيل الاستثمار والتمويل، تطوير المواصفات والمختبرات، مراقبة الجودة، تحسين البنية التحتية، والمساعدة في فتح الأسواق وإزالة عوائق التصدير.

أما الإنتاج والتصنيع والتسويق والبيع فهذه العملية يجب أن تدار وفق قواعد اقتصادية واحترافية تضمن استمراريتها.

 

المطلوب قرار وطني لا مساعدة موسمية

لا يمكن أن يبقى المزارع اللبناني كل عام، رهينة انتظار دولة تفتح أسواقها أو مبادرة طارئة تشتري جزءًا من محصوله.

الحل يبدأ بمعادلة بسيطة:

نعرف ماذا يريد السوق، نحصي ما ننتجه، نحدد الفجوة بينهما ثم نبني التخزين والتصنيع والتصدير على أساس الأرقام.

نطرق أبواب مصانع العصير والصناعات الغذائية والمستوردين قبل أن نشتري خطوط الإنتاج. نعرف المنتجات المطلوبة وكمياتها ومواصفاتها وأسعارها، ثم نستثمر حيث يوجد الطلب الحقيقي.

الحل لمشكلة التفاح ليس البحث عن مشترٍ بعد القطاف، بل بناء السوق قبل القطاف.

وعندما يعرف المزارع مسبقًا أين سيذهب محصوله، ويعرف المصنع حاجته من المواد الأولية، ويعرف المصدر الأسواق المستهدفة، عندها نكون قد خرجنا من إدارة أزمة تتكرر كل خريف، وبدأنا ببناء اقتصاد زراعي ـ صناعي لبناني مستدام.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version