.jpg)
شجاعة الدبلوماسية اللبنانية
تصدّر الحراك الدبلوماسي اللبناني أروقة صناعة القرار في العاصمة الأميركية واشنطن، منتقلاً من الأطر التقليدية إلى مرحلة فرض خطوط سيادية حاسمة ترفض المواربة؛ إذ لبَّى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي دعوة مجلس العلاقات الخارجية إلى لقاء حواري ترأسه إليوت أبرامز، بمشاركة أعضاء المجلس وإعلاميين ومراكز أبحاث. وفي موقف رسمي مباشر يثبت شجاعة الحارجية اللبنانية، أكد الوزير رجي أن أولوية لبنان المطلقة هي تأمين الاستقرار، جازماً بأن طموح اللبنانيين بإعادة وطنهم مركزاً ثقافياً وسياحياً واقتصادياً لن يتحقق أبداً طالما بقي هناك سلاح موازٍ للسلاح الشرعي.
رجي وصف قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة بـ”الشجاع”، مشدداً على أن استقرار لبنان وازدهاره يتطلبان إنهاء الاحتلال وتسليم “الحزب” سلاحه، ومطالباً إيران بضرورة الكف فوراً عن التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية، معتبراً أن الجيش اللبناني يمثل الأمل الوحيد للمرحلة المقبلة لإعادة بناء الدولة وجذب المغتربين وأصحاب الكفاءات.
إنذار واشنطن خلف الكواليس
هذه المصارحة الرسمية ترافقت مع معطيات وقراءات سياسية بالغة الخطورة، نقلتها مصادر دبلوماسية مطلعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني من كواليس الغرف المغلقة؛ حيث أفادت بأن الموقف الأميركي الرسمي بات يتجه نحو حزم غير مسبوق.
وتؤكد الكواليس، أن وزير الخارجية ماركو روبيو أبلغ الجانب اللبناني بوضوح أن نشر الجيش في الجنوب خطوة شكلية وغير كافية ما لم تقترن بخطوات تنفيذية صلبة لنزع سلاح “الحزب” وتفكيك بنيته العسكرية؛ على الرغم من أن المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة نواف سلام، أكد أن أي تصريحات أو مواقف تُنسب إلى سلام أو روبيو خارج ما صدر رسمياً لا تعبّر عن مضمون الاجتماع.
وتكشف المصادر، أن واشنطن غدت أقرب لتفهم الموقف الإسرائيلي نتيجة تعنت “الحزب” وارتمائه الكلي في أحضان الحرس الثوري الإيراني، ملمّحة إلى أن الولايات المتحدة لن تضغط على تل أبيب لإحراز تقدم في اتفاق الإطار طالما بقيت الدولة اللبنانية مترددة في اتخاذ خطوات عملية على الأرض لتنفيذ التزاماتها وتجريد الفصائل المسلحة الخارجة عن القانون من السلاح وتبسط سلطتها وسيادتها بشكل حازم.
مقصلة الخزانة وشروط الإعمار
هذا الانسداد السياسي تمدد كالمقصلة الملوّحة في مقر وزارة الخزانة الأميركية؛ إذ تكشف الكواليس تفاصيل من الجلسة التي جمعت رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر بوزير الخزانة سكوت بيسنت.
وتؤكد المعطيات المتوافرة لموقع “القوات”، أن بيسنت وجّه “ما يشبه الإنذار المالي الجاف والصارم”، مشدداً على أن اندماج لبنان في النظام المالي الدولي، وتحريك قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإعادة الإعمار والتعافي، أو تمويل قطاع الطاقة والكهرباء الذي ناقشه الوزير جو الصدي، سيبقى معلقاً بالكامل ومستحيلاً في ظل الوضع القائم. ووضعت الخزانة الأميركية، بحسب المصادر، شرطاً إلزامياً إضافياً يقضي باتخاذ بيروت إجراءات استباقية وحاسمة لتعطيل وخنق الشبكات المالية التابعة لإيران و”الحزب” ومكافحة الاقتصاد النقدي الموازي الذي تتغذى منه دويلة “الحزب” لتمويل معاركها وأنشطتها.
مقصلة الخزانة وشروط الإعمار
أمام هذا الواقع المأزوم، تتقاطع الأوساط السياسية والمواقف الدولية والعربية عند حقيقة واحدة مفادها، أن كل الأعذار التي سيقت لعدم الانتقال من مرحلة القرار إلى مرحلة التنفيذ قد استُنفدت واستُهلكت تماماً؛ ولم يعد أمام الشرعية اللبنانية سوى انتزاع زمام المبادرة فوراً وبسط هيبة القانون بواسطة الجيش اللبناني والقوى الأمنية لقطع الطريق على استمرار هذه الحلقة المفرغة، وإنقاذ الشعب اللبناني وإخراج البلاد من مستنقع الحروب والانهيار المتدحرج.