
قبل أكثر من ألفي عام، روى المؤرخ الروماني “تيتوس ليفيوس” أن العامة، حين ثاروا على طبقة الأشراف وغادروا روما، أُرسل إليهم “مينينيوس أغريبا” ليعيدهم. لم يحاضرهم في السياسة، بل حكى لهم عن أعضاء الجسد التي تمرّدت على البطن.
قالت اليدان والفم والأسنان: “نحن نعمل ونتعب، والبطن يأكل”. فقررت الأعضاء مقاطعته وتجويعه. وما هي إلا مدة قصيرة حتى بدأت هي نفسها تضعف، لتكتشف أن البطن الذي ثارت عليه يحتاج إليها بقدر حاجتها إليه. إنها حكاية “خصومة الحاجة”: يمكن أن تتشاجر أعضاء الجسد، لكنها لا تستطيع الطلاق.
لم أعد إلى ليفيوس اليوم شغفًا بالتاريخ الروماني، بل لأنه من الصعب مشاهدة العلاقة بين “الحزب” و”التيار الوطني الحر”، وتحديدًا جبران باسيل، من دون أن تقفز هذه الحكاية إلى الذهن. فالتحالف الذي وُلد في “مار مخايل” في العام 2006 لم يكن مجرد تفاهم بين حزبين. بالنسبة إلى “الحزب”، منحه حليفًا مسيحيًا كبيرًا (آنذاك) خارج بيئته التقليدية، وهي وظيفة سياسية كاملة. ثم بدأت العلاقة تتصدع، لا سيما حول الرئاسة وقرار الحرب ودور السلاح خارج الدولة.
ومن هنا يمكن قراءة وظيفة باسيل في معادلة “الحزب” طوال سنوات. لم يكن المطلوب منه أن يجعل المسيحيين جميعًا مؤيدين لـ”الحزب”، فهذا لم يحدث، ولن يحدث. كانت قيمته في أنه جعل من المتعذر، سياسيًا، الحديث عن إجماع مسيحي واحد في مواجهة “الحزب”. حيث كان خصوم “الحزب” المسيحيون يحاولون رسم خط فاصل بين الدولة والسلاح الخارج عنها، كان وجود “التيار” في الجهة المقابلة كافيًا لكسر وحدة المشهد المسيحي وإعطاء “الحزب” شريكًا مسيحيًا يستطيع الاستناد إليه في معاركه الداخلية، التخريبية والإنقلابية.
لكن للأعضاء حاجاتها أيضًا. ففي القراءة المقابلة، أعطت العلاقة مع “الحزب” لباسيل ثقلًا يتجاوز حجمه الذاتي في لعبة السلطة، ووفرت له حليفًا قويًا في نظام تقوم أجزاء واسعة منه على التسويات وموازين القوى. فقد استفاد باسيل من قوة حليف مسلح خارج مؤسسات الدولة لتعزيز موقعه داخل مؤسساتها، بل لنقل لحماية عبثه داخل الدولة وبها.
وهنا تكمن المفارقة القاسية. “الحزب” استفاد من باسيل داخل البيئة المسيحية، وباسيل استفاد من “الحزب” داخل معادلة السلطة. الأول وجد نافذة إلى ساحة يصعب عليه اختراقها منفردًا، والثاني وجد سندًا في لعبة سياسية لم تكن المؤسسات وحدها دائمًا صاحبة الكلمة الأخيرة فيها.
ثم تغير الزمن. ضعف التفاهم، انفجرت الخلافات، وراح باسيل يطالب “الحزب” علنًا بتسليم سلاحه للدولة والخضوع لقرارها، لكنه في الوقت نفسه يرفض استهدافه سياسيًا أو عزل بيئته، بل دعا إلى استراتيجية تستوعبه داخل الدولة. وهذه الازدواجية ليست تفصيلًا، إنها تكشف مقدار تعقيد العلاقة أكثر مما تكشف تناقضًا عابرًا.
فباسيل يحتاج اليوم إلى الابتعاد عن “الحزب” ليستعيد مساحة فقدها في الشارع المسيحي، وقد لا يستعيدها. لكنه لا يبدو راغبًا في التحول إلى جزء من الجبهة المسيحية الأكثر صدامًا معه. في المقابل، لم تعد علاقة “الحزب” بباسيل كما كانت، لكن وجود قوة مسيحية ترفض السلاح من جهة وترفض عزل “الحزب” من جهة أخرى يبقى مختلفًا سياسيًا عن اصطفاف المسيحيين جميعًا في مواجهته.
لهذا يتبادلان الكلام القاسي، ثم يتركان بابًا مواربًا. ليس لأن الجراح وهمية، ولا لأن الخلاف مسرحية. بل لأن السياسة تعرف نوعًا من العلاقات أشد تعقيدًا من الحب والعداء. أن تختلف مع شخص تحتاج إليه، وأن تحتاج إلى شخص لم تعد تثق به.
وهنا يعود “ليفيوس”، أعضاء الجسد تستطيع أن تشتم البطن، والبطن يستطيع أن يتصرف كأنه قادر على الاستغناء عنها. لكن لحظة القطع تطرح السؤال الذي تهرب منه الخطب: ماذا يخسر كل واحد إذا خرج الآخر نهائيًا من المعادلة؟
ربما انتهى زمن “مار مخايل” كما عرفناه. وربما انكسرت ثقة لا يمكن ترميمها. لكن نهاية التحالف لا تعني بالضرورة نهاية الوظيفة. ولهذا، حين يرتفع الصراخ بين “الحزب” وجبران باسيل، لا ينبغي الإصغاء فقط إلى ما يقولانه عن بعضهما.
الأهم مراقبة ما لا يفعله أي منهما، لا أحد يغلق الباب. لأنها لم تعد صداقة، ولم تعد تحالفًا كما كانت. إنها، حتى إشعار آخر، خصومة الضرورة.
