
لم يكن تفجير منشآت ومقرات حيوية في عمق البلدات الجنوبية الأمامية في الساعات الأخيرة استعراضاً عسكرياً لسياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي فقط، بل جاء ليعكس واقعاً ميدانياً بالغ التعقيد، يتلخص في بدء الاحتلال بتشييد تحصينات هندسية مخصصة لإقامة طويلة الأمد خلال فصل الشتاء؛ في نقاط التماس والمناطق المرتفعة التي تقدم إليها.
هذا التثبيت الميداني الإسرائيلي المتدحرج، يتقاطع، وفق مصادر سياسية متابعة، “بشكل مرعب” مع انسداد الأفق الدبلوماسي التقليدي الذي ترك لبنان شبه وحيد يواجه عاصفة إقليمية غير مسبوقة تقتلَع في طريقها كل الخطوط الحمر العادية.
وتشير المصادر ذاتها، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أنه على الرغم من كل الاتصالات واللقاءات الدولية لحشد الدعم للبنان، لكن في الكثير منها وما تسرّب عنها يشي بأن المسؤولين اللبنانيين يواجَهون من قبل المسؤولين الدوليين بعامل أساسي “لم يعد بالإمكان إنكاره أو التحايل والالتفاف عليه”، وهو تقصير الدولة وترددها؛ ما يُهدِّد، بحسب المصادر، بإضاعة الفرصة وبقاء السيادة اللبنانية ورقة تفاوضية ثانوية على طاولات القوى الكبرى، وما يضع البلاد أمام استحقاق وجودي يهدد بنيتها بكامل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويدفع بالداخل اللبناني إلى حافة غليان حقيقي لم تعد تنفع معه المسكنات السياسية التقليدية التي أثبتت عقمها على مدى العقود الماضية.
في سياق متصل، تؤكد مصادر دبلوماسية وسياسية مواكبة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا الانكشاف اللبناني يعود بالدرجة الأولى إلى وقوع البلاد بين فكي كماشة يمثل شقها الأول تعنُّت “الحزب” وارتباطه العضوي بالمنظومة الإقليمية الإيرانية التي توظف الساحة اللبنانية كمنصة متقدمة لخدمة مصالح طهران الاستراتيجية، من دون إقامة أي وزن أو التفات لمعاناة اللبنانيين أو الكلفة الباهظة التي يتكبدها الوطن، والمتزامن مع تردد وتلكؤ الدولة في هذا السياق؛ بينما يمثل شقها الثاني استغلال إسرائيل لهذا التخبط الداخلي لفرض واقع عسكري جديد على الأرض مع اقتراب موعد انتخاباتها في السابع والعشرين من تشرين الأول الحالي.
وتلفت المصادر، إلى أنه ضمن هذا الغليان، جاءت التحذيرات الشديدة والواضحة التي نقلها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى لمراجع رسمية، لترسم معالم مرحلة بالغة الخطورة، مؤكداً أن تل أبيب لن تنسحب طالما بقي سلاح “الحزب” قائماً، وأن رقعة الهجوم البري مرشحة للتوسع ربما نحو عمق العاصمة بيروت أو مناطق حيوية أخرى، إن لم تسارع الدولة اللبنانية إلى بسط سيادتها الكاملة وتطبيق قراراتها والقرارات الدولية بنزع السلاح غير الشرعي وحصره بالجيش والقوى الأمنية وحدها.
هذا الضغط الخارجي الهائل فجّر في الساعات الماضية تفاعلات داخلية غير مسبوقة على خلفية زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى مدينة النبطية، والتي شكلت خرقاً استثنائياً في الجدار السياسي للمنطقة. ونقلت أوساط محلية لموقع “القوات”، معلومات تُفيد برفض أهلي عارم لخيارات الحرب والدمار، حيث شهدت أروقة اللقاءات وثنايا المدينة مطالبات شعبية علنية وصريحة تدعو الدولة اللبنانية والجيش اللبناني إلى تسلم زمام الأمور فوراً ونبذ الحروب العبثية المستوردة بحثاً عن الأمان والاستقرار الضائعين.
هذه الصرخة الجنوبية الحرة، والتي عدّها مراقبون تمهيداً لكسر حاجز الخوف والتبعية المطلقة، قوبلت على الفور بهجوم سياسي وإعلامي عنيف وممنهج شنه ناشطون ومنصات تابعة لـ”الحزب”، والذين ذهبوا إلى تخوين تلك الأصوات واتهامها بالعمالة، في محاولة مستميتة لتطويق أي تمدد لحركة الاعتراض الداخلي ضمن البيئة الجنوبية، خوفاً من اتساع صدى المطالبة بالدولة التي بدأت تخرج إلى العلن بقوة وتتمرد على لغة التهديد والترهيب المتبعة منذ سنوات.
