.jpg)
تتعدد طرق حضور الأناقة اللبنانية في باريس، لكن القاسم المشترك بينها يبقى القدرة على تحويل الحرفية العالية إلى لغة معاصرة قادرة على مخاطبة المشهد العالمي. وفي موسم ربيع وصيف 2027، تبرز أربع رؤى لبنانية لافتة، يقدمها إيلي صعب، زهير مراد، جورج حبيقة وطوني ورد، من خلال مجموعات تتباين في مرجعياتها، لكنها تلتقي عند الاهتمام بالتفاصيل وبناء صورة أنثوية واضحة المعالم.
إيلي صعب.. الرومانسية تلامس البشرة
كان إيلي صعب من أبرز الأسماء اللبنانية الحاضرة على البرنامج الرسمي لأسبوع باريس للموضة، حيث قدم عرضه للأزياء الجاهزة الخاصة بربيع وصيف 2027 في 3 أكتوبر. حملت المجموعة عنوان “À Fleur de Peau”، وهي عبارة فرنسية تشير إلى إحساس قريب من البشرة، وهو المعنى الذي يتحول إلى محور بصري واضح في التصاميم.
استوحى صعب المجموعة من جاذبية الممثلة الأميركية الراحلة جين هارلو ومن صورة هوليوود في ثلاثينيات القرن الماضي، لكنه لم يكتف باستعادة الغلامور القديم بحذافيره. فالمعالجة تبدو أكثر ليونة وأقل انضباطاً، وكأن الملابس الفاخرة بدأت تتحرر تدريجياً من صرامة الإطلالة المكتملة.
الفساتين الانسيابية تلامس الجسم من دون أن تحاصره، بينما تنسدل البطانات من أسفلها وتخرج حواف الدانتيل من أماكنها، وتكسر الأطراف غير المتساوية انتظام الصورة. حتى الألوان تخدم هذا الإحساس الحسي؛ فإلى جانب الأسود والوردي الفاتح، تظهر درجات الأخضر العشبي والأزرق السماوي، فيما تتشابك الورود المطرزة فوق فساتين من الدانتيل أو الحرير. واللافت أن صعب لا يتعامل مع الشفافية كاستعراض، بل كطبقة إضافية تسمح للثوب بأن يتحرك ويتكشف تدريجياً مع خطوات العارضة.
زهير مراد.. غلامور متوسطي
مع زهير مراد، ينتقل المزاج إلى المتوسط. مجموعته لربيع وصيف 2027 تحمل عنوان “When the Sun Whispers”، وتستعيد أجواء الصيف الأوروبي من خلال الحنين إلى السبعينيات، مع صور البحر والحدائق والموائد الصيفية الطويلة.
لكن الجديد هنا يكمن في محاولة تخفيف الوزن البصري الذي ارتبط طويلاً بعالم مراد. فبدلاً من الاعتماد المستمر على الفستان الاحتفالي شديد الإنتاج، تبدو الصورة أكثر استرخاءً، مع خطوط أنحف وخامات خفيفة وأقمشة تسمح للجسم بالحركة. وتستحضر المجموعة ألوان الخزف المتوسطي والزجاج الملون، فيما تأتي بعض التصاميم أكثر انسياباً وأقل تكلّفاً. هذه ليست قطيعة مع هوية مراد، بل إعادة ضبط لها: التطريز واللمعان والحضور الأنثوي لا تختفي، لكنها تصبح جزءاً من خزانة صيفية يمكن تخيلها بعيداً عن السجادة الحمراء.
والأهم أن مفهوم الصيف هنا لا يُختزل في الفساتين القصيرة أو الألوان المشرقة، بل يتحول إلى مزاج متكامل من السفر والضوء والبحر والترف غير المتكلف. وهي مقاربة تسمح لمراد بتوسيع صورة المرأة التي اعتدناها منه، من امرأة ترتدي ثوباً لمناسبة استثنائية إلى امرأة تجعل من العطلة نفسها مناسبة للأناقة.
جورج حبيقة.. الأنوثة بين الصلابة والليونة
في مجموعة دار Georges Hobeika لربيع وصيف 2027، التي صممها جورج حبيقة وابنه جاد، تتخذ الأنوثة معنى أكثر تركيباً. فالدار تنطلق من فكرة رفض حصر المرأة في صورة واحدة، وتتحرك التصاميم على امتداد متدرج من الداكن إلى الفاتح، ومن الطاقة الذكورية إلى الانسيابية والشفافية. وهذا المفهوم ينعكس مباشرة في البناء. فالقصّات تبدأ بأحجام ذات حضور معماري واضح، ثم تذوب تدريجياً في الدرابيهات والخامات الشفافة، بحيث يصبح الانتقال بين الصلابة والليونة جزءاً من تصميم الإطلالة نفسها.
ومن أكثر التفاصيل أهمية دخول ساتان البروكار وشبكة الغيبور إلى قاموس الدار، مع إعادة صياغة الدانتيل بطريقة غرافيكية أكثر حداثة. كما تلعب الخامات المتناقضة دوراً بنائياً، من خلال وضع الموسلين المحبوك والسطح الساتاني داخل القطعة نفسها، بدلاً من الاكتفاء بمزج الخامات على مستوى المجموعة ككل.
حتى التطريزات الزهرية، وهي من العناصر المعروفة لدى الدار، تنتقل هذه المرة إلى أسطح منقوشة وغير متوقعة. أما الإكسسوارات فتحمل رمز الغزال الذي يظهر على الأقراط والحقائب وبعض التفاصيل، في استعارة تجمع بين الرقة والقوة والتجدد والأمومة.
طوني ورد.. من البذرة إلى الفستان
يتناول طوني ورد في تصاميمه الجديدة الطبيعة من زاوية مختلفة تماماً. مجموعته من الأزياء الجاهزة الخاصة بربيع وصيف 2027 تحمل اسم “Unfolding”، وتستعير من لحظة تفتح الزهرة فكرة أساسية هي التحول التدريجي من بنية مغلقة إلى شكل أكثر حرية.
هذه الفكرة تظهر أولاً في بناء الفستان. فالكورسيهات والخصور المحددة تشكل نقطة الانطلاق، قبل أن تنفتح الصورة على الموسلين والتول الشفاف والتنانير ذات الطيات والأكمام الكاب والذيل الطويل. وكأن الثوب نفسه يمر بعملية “تفتح” أمام العين.
وتكتسب التطريزات هنا دوراً بنيوياً لا زخرفياً فقط. فالخيوط التي تشبه سيقان النباتات تمتد على التول، بينما ترسم تطريزات مستوحاة من الأوراق خطوطاً فوق قماش الجورجيت الانسيابي. وفي بعض التصاميم، تتحول التفاصيل النباتية إلى وسيلة لربط الجسم بالقماش، بحيث تبدو الزخرفة وكأنها تنمو فوق التصميم. أما لوحة الألوان فتتحرك مثل مراحل الموسم: تبدأ بالأسود والبيج، قبل أن تنفتح على الأخضر الناعم والذهبي والزهري والأزرق، مع حضور خافت للمعدنيات ودانتيل المكرمية.
واللافت أن طوني ورد لم يقدم هذه المجموعة من خلال عرض مدرج رسمي ضمن برنامج أسبوع باريس، بل اختار حملة بصرية صُورت داخل محترف فني في بيروت. الجدران الخام، اللوحات غير المكتملة، الهياكل النحتية والقماش المنسدل تحولت إلى جزء من السرد البصري، فيما ظهرت العارضات وكأنهن عناصر داخل عمل فني قيد التكوين.
4 مقاربات مختلفة
ما يجعل هذا الحضور اللبناني لافتاً في موسم ربيع وصيف 2027 هو غياب الأسلوب الواحد. إيلي صعب يخفف من صرامة الغلامور عبر الشفافية والحركة، وزهير مراد يعيد صياغة فخامة السهرة ضمن مزاج متوسطي أكثر حرية، فيما يعيد جورج حبيقة تعريف الأنوثة من خلال التناقض بين البنية والسيولة، ويحوّل طوني ورد الطبيعة إلى نظام بنائي تتفتح خلاله الأناقة.
وبين هذه المقاربات الأربع، تبدو الهوية اللبنانية أقل ارتباطاً بقالب جمالي واحد وأكثر قدرة على التطور. فالقاسم المشترك ليس الفستان الفخم بحد ذاته، بل الحرفية، والاهتمام بالتفصيل، والقدرة على بناء عالم بصري متكامل حول كل مجموعة. ومن هنا تأتي أهمية حضور هذه الأسماء في المشهد الباريسي: ليس باعتبارها امتداداً لمشهد واحد، بل باعتبار كل منها صوتاً مستقلاً في الحوار العالمي حول مستقبل الأزياء.
