
يبدو أنّ أزمة النفايات في لبنان تعود مرة جديدة لتطلّ برأسها، مهدّدةً بتكرار مشاهد لطالما التصقت بذاكرة اللبنانيين، من أكوام النفايات في الشوارع إلى الروائح والمكبات العشوائية والاعتراضات الشعبية. وبعد سنوات من الخطط والوعود ومحاولات تنظيم القطاع، لا يزال الملف يدور في الحلقة نفسها، فيما تبدو الحلول الجذرية بعيدة، والأبواب أمام المعالجات المستدامة شبه مسدودة.
فالتحذيرات لم تعد مجرّد توقعات. خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت مؤشرات الأزمة في أكثر من منطقة، إذ شهدت صيدا تراكم النفايات مجدداً نتيجة مشاكل مرتبطة بتشغيل مركز المعالجة وتأخر المستحقات المالية، قبل أن توضع خطة طوارئ لرفعها من الشوارع. وفي عكار، أثار ملف مكب سرار اعتراضات وتحركات من بلديات وأهالٍ رفضوا استقبال نفايات من خارج المحافظة وطالبوا بتشغيل معمل الفرز والمعالجة ومعالجة الأضرار القائمة.
المشكلة أن الأزمة لم تعد تقنية أو بيئية فحسب، بل باتت تحمل أبعاداً مالية واجتماعية خطيرة. فمن سيدفع كلفة إدارة النفايات؟ وكيف ستؤمَّن استمرارية الجمع والفرز والمعالجة في ظل الضائقة المالية التي تعانيها البلديات والدولة؟ هذه الأسئلة برزت بوضوح خلال النقاش حول آلية تمويل القطاع، فيما لا تزال قضية التمويل إحدى أبرز العقد التي تعيق الوصول إلى نموذج مستقر وطويل الأمد.
والأخطر أن لبنان اختبر خلال العقد الماضي سلسلة خطط لمعالجة النفايات، لكن كثيراً منها بقي محدود التنفيذ أو اصطدم بعوائق مالية وإدارية وسياسية، ما جعل الأزمة تنتقل من منطقة إلى أخرى بدلاً من أن تُحلّ بشكل شامل. وقد عاد ملف قدرة المطامر الاستيعابية أيضاً إلى الواجهة، كما حصل في طرابلس، حيث أثيرت الحاجة إلى حلول انتقالية قبل الوصول إلى منظومة تعتمد بصورة أكبر على الفرز والمعالجة وتخفيف الطمر.
أما التأخير هذه المرة فقد تكون كلفته أكبر. فترك النفايات تتراكم لا يهدّد البيئة والصحة العامة فحسب، بل يفتح الباب أمام احتجاجات واعتراضات بين المناطق والبلديات، خصوصاً عندما تصبح كل منطقة رافضة لاستقبال نفايات منطقة أخرى.
لذلك، فإن عودة الأزمة ليست مجرد مشكلة خدماتية عابرة، بل جرس إنذار اجتماعي. المطلوب لم يعد حلول طوارئ تُرفع بموجبها النفايات لأيام أو أسابيع، بل إدارة متكاملة تبدأ من تخفيف إنتاج النفايات وفرزها من المصدر، مروراً بإعادة التدوير والمعالجة، وصولاً إلى طمر الحد الأدنى منها بطريقة صحية؛ وإلا فإن اللبنانيين قد يجدون أنفسهم مرة جديدة أمام الأزمة نفسها… ولكن بثمن أعلى.