
يتخطى “زلزال” حاجز ضهر البيدر العملية اللوجستية والاحباط العابر لعملية تهريب اعتيادية، بل يشكل صدمة أمنية صاعقة أيقظت اللبنانيين؛ الذين ذهبت أفكارهم نحو مرحلة سابقة ووجدوا أنفسهم في لحظة واحدة على حافة “هاوية الاغتيالات السوداء” من جديد، بعدما اعتقدوا أو تأمّلوا أن تكون هذه الصفحة السوداء التي استهدفت أبرز قيادات “ثورة الأرز” وحصدت عدداً كبيراً منهم، قد طُويت إلى غير رجعة.
إن ضبط نصف طن من المتفجرات والمواد العسكرية شديدة الفتك، يضع الدولة ومؤسساتها القضائية والعسكرية والأمنية أمام اختبار تاريخي فاصل: إما بسط السيادة الكاملة وفك “شيفرة الموت”، وإما الرضوخ لسطوة الميليشيا مجدداً.
كواليس التحقيقات الأولية المسرّبة حتى ساعات هذا الصباح، أظهرت معطيات بالغة الخطورة تفكك الروايات التي حاولت “الدويلة” لملمتها طوال الأيام الماضية. فالموقوفان (ع. ك) و(هـ. أ)، اللذان جرى تسليمهما إلى الشرطة العسكرية بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، لیسا ناقلين مأجورين، بل هما عنصران تنظيميان يتبع أحدهما لشبكة عائلية لصيقة بمسؤول بارز في “الحزب”، في حين ينتمي الآخر لما يُسمى “سرايا المقاومة”. والأخطر في الاعترافات المسرّبة، إقرار الموقوفَين بأنهما تلقيا الأوامر المباشرة والطرود المتفجرة في بعلبك من قيادي حزبي ميداني يُدعى “ساجد”، على أن تكون الوجهة النهائية تسليمها لشخص ملقب بـ”ذو الفقار” في عمق المربع الأمني بالضاحية الجنوبية لبيروت.
بعض التقديرات العسكرية الفنية لوزن الشحنة تجاوز عتبة الـ500 كيلوغرام لتلامس نحو 750 كيلوغراماً، وفق بعض المعلومات. غير أن مكمن الرعب الحقيقي الصاعق، بحسب خبراء عسكريين لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، يتجاوز وزن شحنة المتفجرات نحو ما اعتبروه “الهندسة الإجرامية اللصيقة” داخل سيارة الـ”دودج كارافان”.
يشير الخبراء العسكريون في هذا السياق، إلى أن الشحنة المضبوطة قُسّمت مناصفة بين 250 كلغ من الـ TNT و250 كلغ من مادة الـ C4 شديدة العصف والتدمير، وهي المادة النمطية ذاتها التي طالما استخدمت في الاغتيالات التاريخية التي استهدفت عدداً من شهداء ثورة الأرز وخصوصاً الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والشهداء جبران تويني، أنطوان غانم، واللواء وسام الحسن.
ما يكاد يقطع الشك باليقين حول النية الجرمية المبيَّتة، وفق الخبراء العسكريين، هو العثور على مستوعبات معدنية متطورة مصممة خصيصاً لتوجيه عصف الانفجار، مدعمة بآلاف المسامير والكرات الحديدية الصغيرة القادرة على اختراق هياكل السيارات المصفحة وإحداث أكبر قدر ممكن من المجازر البشرية والأذى المميت بالهدف؛ وهو أسلوب لم يُسجَّل على نحو واسع أنه يتصل بالعمل العسكري الميداني ضد إسرائيل، بل الأرجح أنه “توقيع واضح” لبنك أهداف داخلي محض يراد منه خلط الأوراق.
أمام هذا المشهد الدموي، يبرز السؤال الوجودي لدى الغالبية الساحقة من اللبنانيين والعواصم العربية والدولية: هل سيجرؤ القضاء العسكري هذه المرة على استكمال التحقيقات حتى نهايتها وتفكيك سلسلة القيادة بكاملها صعوداً إلى مصدري الأوامر الفعليين في “الحزب”، أم أننا سنشهد فصلاً جديداً من فصول مسرحية تمييع العدالة؟
يعيد هذا التطور إلى الأذهان فوراً الحوادث الشهيرة في فترة سابقة، ومنها إلقاء الجيش اللبناني القبض على عناصر تابعين لـ”الحزب”، على حاجز عسكري، أثناء نقلهم شحنات أسلحة وصواريخ وذخائر، ليتم تحويلهم إلى المحكمة العسكرية؛ التي سارعت تحت وطأة التهديد والضغط السياسي إلى إخلاء سبيلهم بكفالة مالية هزيلة وهزلية لم تتخطّ “20 دولاراً” عن العنصر الواحد، اعتُبرت سقطة تاريخية أذهلت اللبنانيين والمجتمع الدولي والعربي وعرّت مؤسسات الدولة الرسمية آنذاك.
اليوم، تأتي “ترسانة ضهر البيدر” بالتوازي مع إحباط الجيش شحنات متفجرات وعبوات ناسفة وصواعق تفجير مهرَّبة عبر معابر القصر والهرمل على الحدود السورية، وكذلك على الحدود الشمالية؛ لتؤكد المصادر، أنه من غير المستبعد أبداً أن هناك قراراً ميليشياوياً بإشعال الفتنة الداخلية للتعمية على التقهقر الميداني والإقليمي ومحاولة شراء الوقت.
ويبقى السؤال الأبرز: هل سيُستكمل التحقيق هذه المرة لكشف كل الملابسات وكل الرؤوس المتورطة؟ المسؤولية كبرى على القضاء العسكري وعلى الدولة بكامل أجهزتها، فهل يقف القضاء عند حدود “صغار المتورطين” لتمرير الفضيحة، أم سنشهد انتفاضة قضائية تقتلع هذه الشبكات من جذورها وتُطهِّر أجهزة الدولة قبل فوات الأوان؟ اللبنانيون والعالم يراقبون، والتاريخ لن يرحم المتلكئين.
