Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ القوة بدل القانون: مَن يملك السيادة في لبنان؟ (المحامي ميشال فلاّح)

ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدولة تلك التي تعجز فيها عن تطبيق قوانينها، بل تلك التي يتحوّل فيها عجزها، مع مرور الزمن، إلى واقعٍ يُستند إليه لتبرير قيام سلطات موازية لها. فعندما تصبح القدرة على فرض القرار بديلاً من الصلاحية القانونية لاتخاذه، وعندما يغدو الامتناع عن تطبيق القانون قاعدةً مستقرة، لا تعود المشكلة مقتصرة على ضعف المؤسسات، بل تمتدّ إلى الأساس الذي تقوم عليه الدولة نفسها: مَن يملك حقّ ممارسة السلطة، ومِن أين يستمدّ هذا الحق؟

في لبنان، يكتسب هذا السؤال بُعدًا يتجاوز السجال السياسي حول موازين القوى. فالمسألة، في جوهرها، دستورية وقانونية تتصل بمفهوم السيادة، ومصدر الشرعية، وحدود السلطة الفعلية، ومدى إمكان اكتسابها صفة قانونية بفعل استمرارها أو قبول الدولة الضمني بها.

فهل يُنشئ الواقع حقًّا؟ وهل يستطيع مَن يملك القدرة على فرض إرادته أن يستمدّ من هذه القدرة مشروعية ممارسة سلطة لم يمنحه إياها الدستور؟ ثم هل يؤدّي عجز الدولة عن ممارسة اختصاصاتها إلى انتقال هذه الاختصاصات، بحكم الأمر الواقع، إلى جهة أخرى؟

 

الشرعية والمشروعية والسلطة الفعلية… مفاهيم لا يجوز الخلط بينها

يقتضي تناول هذه الإشكالية التمييز بين ثلاثة مفاهيم متقاربة ظاهريًا، لكنها مختلفة في مضمونها القانوني. فالشرعية، في مفهومها السياسي والدستوري، تتصل بالأساس الذي تستند إليه السلطة في تبرير حقّها في الحكم، وبمدى انسجامها مع المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري. أما المشروعية، فتعني خضوع أعمال السلطة للقواعد القانونية النافذة، بحيث لا يجوز لأي جهة ممارسة اختصاص لم يمنحها إياه القانون، أو تجاوز الحدود التي رسمها لممارسة هذا الاختصاص.

في المقابل، تعبّر السلطة الفعلية عن قدرة جهة معينة على ممارسة نفوذ واقعي، وفرض قراراتها أو التأثير في تنفيذ قرارات السلطات العامة، بصرف النظر عن امتلاكها سنداً قانونياً يجيز لها ذلك.

وقد تجتمع هذه العناصر في سلطة واحدة، كما يُفترض في الدولة الدستورية، لكنها قد تنفصل في حالات الاضطراب السياسي والمؤسساتي. وهنا تكمن المفارقة، فقد تكون جهة ما قادرة على فرض إرادتها من دون أن تكون مخوّلة قانونًا ممارسة السلطة، فيما تملك جهة أخرى الصلاحية الدستورية لاتخاذ القرار، لكنها تعجز عملياً عن تنفيذه. غير أن هذا الانفصال بين القانون والواقع لا يعني، بذاته، انتقال الشرعية من صاحب الاختصاص إلى صاحب القوة.

 

السيادة في الدستور اللبناني ليست صلاحية قابلة للتقاسم خارج المؤسسات

حسم الدستور اللبناني، من حيث المبدأ، مصدر السلطة وطريقة ممارستها. فقد نصّت الفقرة “د” من مقدمته على أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، وأنه يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. كما أكدت الفقرة “أ” وحدة لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات، وكرّست المادة الأولى استقلال الدولة ووحدتها وسيادتها التامة.

وتترتب على هذه النصوص نتيجة أساسية: السلطة العامة ليست حقًّا مكتسبًا لمن يستطيع ممارستها، وإنما اختصاص قانوني يُستمدّ من الدستور والقوانين الصادرة وفقاً له. فالدستور لا يعترف بمصدر موازٍ للسيادة يستطيع أن ينازع المؤسسات الدستورية اختصاصاتها لمجرد امتلاكه وسائل التأثير أو القدرة على فرض قراراته.

وتزداد هذه القاعدة وضوحًا في المجال الأمني، حيث تنص المادة 49 على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، فيما تُنيط المادة 65 السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وتجعله مسؤولًا عن الإشراف على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية بلا استثناء. وعليه، فإن ممارسة وظائف السلطة العامة خارج الإطار الدستوري لا تكتسب المشروعية لمجرد أن الدولة تتسامح معها، أو تعجز عن منعها، أو تتعامل معها باعتبارها واقعًا قائمًا.

 

هل يتحوّل الأمر الواقع إلى مصدر للقانون؟

تطرح هذه المسألة إشكالية معروفة في فلسفة القانون، ولا سيما في التمييز بين صلاحية القاعدة القانونية وفعاليتها. ففي النظرية القانونية، لا يمكن إنكار أهمية الفعالية في استمرار النظام القانوني. وقد تناول الفقيه “هانس كلسن” العلاقة بين نفاذ النظام القانوني وفعاليته العامة، باعتبار أن استمرار النظام يفترض قدرًا من التطبيق الفعلي لقواعده.

لكن هذه الفكرة لا تعني أن كل سلطة تنجح في فرض نفسها تكتسب تلقائياً شرعية دستورية. فثمة فرق جوهري بين نشوء نظام قانوني جديد نتيجة تحوّل تأسيسي شامل، وبين وجود جهة تمارس نفوذاً موازياً داخل دولة لا يزال دستورها ومؤسساتها قائمين. في الحالة الأولى، يُطرح سؤال الاعتراف بنظام قانوني جديد ومدى فعاليته واستقراره. أما في الحالة الثانية، فتبقى أعمال السلطة الموازية خاضعة للتقييم وفق النظام الدستوري النافذ. وبالتالي، فإن استمرار واقع مخالف للدستور لا يكفي لتحويله إلى قاعدة دستورية جديدة.

كذلك، لا يجوز الخلط بين العرف الدستوري والممارسة المخالفة للدستور. فالعرف الدستوري يفترض، في مفهومه التقليدي، توافر ممارسة مستقرة مصحوبة بالاعتقاد بإلزاميتها القانونية، مع مراعاة طبيعة الدستور وحدود إمكان تعديل قواعده عرفاً. أما تكرار مخالفة النصوص، أو السكوت عنها، فلا يُنشئ بالضرورة عرفًا دستوريًا، ولا يصلح بذاته وسيلة لتعديل قواعد توزيع السلطات. فالزمن قد يُرسّخ واقعاً سياسياً، لكنه لا يمنحه حكماً صفة المشروعية القانونية.

 

عجز الدولة عن ممارسة السلطة لا يُسقط حقّها فيها

من المبادئ الأساسية في القانون العام أن الاختصاصات الدستورية والإدارية ليست حقوقاً شخصية يجوز لأصحابها التنازل عنها بإرادتهم، بل هي وظائف قانونية مرتبطة بتحقيق المصلحة العامة. ومن ثمّ، فإن امتناع سلطة دستورية عن ممارسة اختصاصها، أو عجزها عن ذلك، لا يؤدي تلقائياً إلى انتقال هذا الاختصاص إلى جهة أخرى.

فإذا عجزت الدولة عن فرض سلطتها في منطقة معينة، فإن هذا العجز لا ينشئ للجهة التي تسيطر فعليًا على تلك المنطقة حقاً دستورياً في ممارسة وظائف الدولة. وإذا امتنعت سلطة عامة عن تنفيذ القانون تجاه جهة نافذة، فإن امتناعها لا يُكسب تلك الجهة حصانة قانونية غير منصوص عليها. وإذا استمرّت ممارسة مخالفة للدستور سنوات طويلة، فإن استمرارها لا يكفي لإضفاء المشروعية عليها.

وهنا ينبغي التمييز بين الاعتراف القانوني بوجود واقعة وبين الاعتراف بشرعية مصدرها. فقد يضطر القانون إلى ترتيب بعض الآثار على تصرفات سلطة فعلية، حمايةً لحقوق الأفراد واستقرار المعاملات، من دون أن يعني ذلك إقرارًا بشرعية اغتصاب الاختصاص. وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يحول دون تحميل المواطنين نتائج نزاعات السلطة، من جهة، ودون تحويل الضرورات العملية إلى مصدر دائم لصلاحيات استثنائية، من جهة أخرى.

 

اتفاق الطائف وحسم مسألة السلطة الواحدة

لم تترك وثيقة الوفاق الوطني مسألة تعدد مراكز القوة خارج اهتمامها. فقد خصصت بنداً لبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بواسطة قواتها الذاتية، ونصّت على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، ضمن الآلية والمهل المحددة فيها.  وتكمن أهمية هذا النص في أنه لم يتعامل مع تعدد القوى المسلحة باعتباره صيغة نهائية لتنظيم السلطة، بل باعتباره واقعاً ينبغي تجاوزه في سياق إعادة بناء الدولة.

ومن الضروري، هنا، التمييز بين المكانة الدستورية للمبادئ التي أُدرجت في مقدمة الدستور، وبين الأحكام الأخرى الواردة في وثيقة الوفاق الوطني، والتي لا تتمتع جميعها، لمجرد ورودها في الوثيقة، بالقيمة الدستورية نفسها.

لكن ذلك لا يُضعف الدلالة القانونية والسياسية الواضحة للوثيقة، قيام الدولة الواحدة يفترض وحدة المرجعية العامة في ممارسة وظائف السيادة. فالتعددية السياسية حقّ يكفله النظام الديمقراطي، أما تعدد السلطات التي تمارس وظائف الدولة خارج مؤسساتها فمسألة مختلفة، تمسّ وحدة النظام القانوني نفسه.

 

هل تتحمل الدولة مسؤولية نشوء السلطات الموازية؟

لا تكتمل المعالجة القانونية إذا اقتصر البحث على مدى مشروعية السلطة الفعلية، وأُهملت مسؤولية الدولة عن الظروف التي تسمح بنشوئها واستمرارها. فالدولة التي تحتكر قانوناً صلاحية اتخاذ القرار، لكنها تتخلّى عملياً عن ممارسته، تفتح المجال أمام نشوء سلطات بديلة قد تملأ الفراغ الأمني أو الإداري أو الاجتماعي.

غير أن تفسير نشوء هذه السلطات لا يعني تبريرها قانونًا. فالتقصير في ممارسة الاختصاص قد يرتّب، بحسب الظروف والنصوص الواجبة التطبيق، مسؤولية سياسية أو إدارية أو حتى قانونية على الجهات المختصة. لكنه لا ينقل الاختصاص إلى مَن يتولى ممارسته فعليًا. وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الدستورية في صون وحدة الدولة، ليس فقط من خلال إعلان التمسك بسيادتها، وإنما أيضًا عبر اتخاذ القرارات المشروعة وتوفير الوسائل اللازمة لتنفيذها. فالدولة لا تثبت وجودها بمجرد احتفاظها بالاختصاصات على الورق، بل بقدرتها على ممارستها ضمن حدود القانون.

 

القوة قد تفرض واقعًا… لكنها لا تُنشئ وحدها حقًّا

تكشف التجربة اللبنانية عن إشكالية تتجاوز الصراع بين الدولة والقوى التي تنازعها بعض وظائفها. إنها إشكالية العلاقة بين النص والواقع، وبين امتلاك الصلاحية والقدرة على ممارستها. فلا يكفي أن تكون الدولة صاحبة السلطة القانونية إذا كانت عاجزة عن إنفاذ قراراتها، كما لا يكفي أن تكون جهة أخرى قادرة على فرض إرادتها لكي تصبح صاحبة سلطة مشروعة.

وفي الدولة الدستورية، لا تُقاس الشرعية بمقدار القوة التي تمتلكها الجهة الحاكمة، بل بمصدر سلطتها، وحدود اختصاصاتها، وخضوعها للقانون وآليات المساءلة. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس وجود قوة فعلية تنازعها سلطتها فحسب، بل تحوّل هذا التنازع إلى وضع دائم تتعامل معه المؤسسات وكأنه جزء طبيعي من النظام الدستوري. فحين يصبح الاستثناء قاعدة، والعجز ممارسة مستقرة، والتسوية السياسية بديلاً من تطبيق القانون، تتآكل الحدود الفاصلة بين السلطة المشروعة والسلطة المفروضة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه لبنان، دولةً ومؤسسات ومواطنين: هل المطلوب أن يتكيّف الدستور مع موازين القوى القائمة، أم أن تخضع ممارسة السلطة، أيًّا يكن صاحبها، لأحكام الدستور؟

ذلك أن الدولة التي تتنازل عمليًا عن ممارسة اختصاصاتها قد تحتفظ باسمها ومؤسساتها ونصوصها، لكنها تخاطر بفقدان أهم ما يميز الدولة القانونية، وحدة السلطة العامة وخضوع الجميع للقانون.

Exit mobile version