.jpg)
انفجر المشهد الميداني والسياسي في “الويك أند” على وقع مواجهة مكشوفة بين محاولات “الحزب” استعادة “الزمن الماضي” وإعادة فرض أمر واقع بالتهديد والوعيد، وبين إصرار الدولة والجيش على بسط السيادة. وجاء هذا الغليان بعد أن سادت أجواء توتر بالغة ليل الجمعة إثر انتشار عناصر “الحزب” وتسيير مسيرات بعشرات الدراجات النارية جابت شوارع العاصمة ـ زقاق البلاط، بربور، الخندق الغميق والمناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية لبيروت ـ وسط هتافات وشعارات استفزازية، في محاولة ترهيبية مكشوفة للضغط على خلفية التوقيفات الأخيرة في قضية “متفجرات ضهر البيدر” التي ضُبط “الحزب” متلبساً بها.
بيد أن الرد الشرعي لم يتأخر؛ إذ نفّذ الجيش اللبناني منذ ساعات صباح السبت الأولى حزاماً أمنياً واسعاً وحاسماً، مسيّراً دوريات مؤللة وراجلة دخلت بعمق إلى مناطق الضاحية الجنوبية (من جهة الشويفات، دوار الكفاءات، وتحت جسر المشرفية). وأكدت قيادة الجيش في بيانها الرسمي ملاحقة المطلوبين والمخلين بالأمن، وهو ما تقرأه أوساط سيادية عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على أنه رسالة من الدولة بأن ثمة خطوطاً لا يمكن تجاوزها مهما كلف الأمر وتقع تحت عنوان “ممنوع تفجير السلم الأهلي”، وإن كانت الدولة ما تزال عند موقفها بعدم الحسم الجازم مع “الحزب” ونوع سلاحه، ولا نعرف ماذا تنتظر، على الرغم من وضوح موقفه وتهديداته المعلنة بكل وقاحة ومن دون خجل.
كواليس الاتصال الأميركي ومفاوضات “تامبا” وبارو
هذا الحسم الميداني تقاطع مع حراك دبلوماسي أميركي-فرنسي عالي الخطورة. وفي هذا السياق، تكشف المعلومات والكواليس المتوافرة لموقع “القوات اللبنانية”، حول الاتصال الهاتفي الذي جرى بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، عن رسائل أميركية بالغة الوضوح تدعم بالمطلق استقلالية التحقيقات العسكرية في ملف متفجرات ضهر البيدر، بعيداً عن أي ترهيب ميداني. وفي المعلومات، أن الجانب الأميركي عبّر بوضوح عن رفضه لأي تباطؤ أو تلكؤ لبناني في بسط السيادة وتطبيق القرارات السيادية كاملة.
وفي بعبدا، حطّ الوفد الوزاري الفرنسي برئاسة وزير الخارجية جان نويل بارو، حيث بحث مع الرئيس عون ـ ولاحقاً مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس المجلس نبيه بري ـ خطورة الاعتداءات الإسرائيلية وجدول أعمال الوفد العسكري اللبناني المتوجه إلى اجتماع “تامبا” في فلوريدا في 20 تشرين الأول، لوضع المطالب اللبنانية بوقف التصعيد على الطاولة وفق مندرجات اتفاق الإطار. والموقف اللبناني شدد على قطع الطريق على أي فراغ أمني مستقبلي عبر التشديد على رغبة لبنان بالتمديد لليونيفيل، أو الترحيب بأي صيغة تضمن وجوداً دولياً في الجنوب لما بعد العام 2027.
رجي يحاصر طهران في بغداد
دبلوماسياً أيضاً، برز موقف وزير الخارجية يوسف رجي في اجتماعات مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد. وفي كلمته أمام المؤتمر، وفي اللقاء المطول مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، واجه رجي الجانب الإيراني بملف التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية اللبنانية، مطالباً بوقف إمداد “الحزب” بالسلاح والأموال وضرورة معالجة المسائل العالقة احتراماً للسيادة اللبنانية وحصر القرار بيد الدولة الشرعية.
واشنطن ملّت المناورات.. عيسى: بري لا يقرر وحده!
وعلى جبهة المواجهة السياسية والدبلوماسية الساخنة، أحدث تصريح السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى “صدمة مدوية تجاوزت في أبعادها حدود المألوف”، بحسب مصادر سياسية مواكبة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إذ عكست حقيقة أن واشنطن ملّت تماماً من المناورات اللبنانية والأساليب المعهودة لتعطيل الالتزامات الدولية والسيادية.
ففي ردٍّ ناري وصريح، لم يتردد عيسى في كسر المحظور السياسي وشن هجوم مباشر ومفاجئ على رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ فعندما سُئل عن مدى إمكانية موافقة بري على إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل، رد السفير الأميركي بحدة وانفعال لافت: “عطول بتجيبولي الرئيس بري، شو الرئيس بري لحالو بقرر يعني؟! بدنا نخلص منها هالشغلة”.
وترى المصادر، أن هذا الموقف “غير المسبوق”، بمثابة إعلان أميركي صريح بانتهاء زمن الرمادية السياسية وحقبة “الفيتوهات” التي يفرضها الثنائي الشيعي.
تتزامن هذه التطورات الصاعقة مع مناخ إقليمي تزداد خطورته؛ خصوصاً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده المطلق لبنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية وردَّ الأخيرا شاكراً ترامب على دعمه؛ ما يعني ـ بحسب مصادر دبلوماسية لموقع “القوات”، أن المرحلة المقبلة محفوفة بخطر عودة الحرب على إيران واستكمال ضرب أذرعها، وهو ما يضع لبنان أمام مفترق طرق داهم: إما المضي قدماً في بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية من جيش وقوى أمنية شرعية ونوع سلاح الميليشيات المسلحة كافة، أو ترك البلاد لعواصف الميدان الإقليمي المتفجر.